ثلاث سنوات على "الطوفان"... انتصارٌ يسكن المقابر

3 دقائق للقراءة
امرأة تقف أمام النصب التذكاري لضحايا مهرجان "نوفا" في إسرائيل أمس (أ ف ب)

في الذكرى الثالثة لهجوم 7 أكتوبر، تقف إسرائيل في حال تأهّب قصوى، تتوعّد "حماس" وتستعدّ لسيناريوات الهجوم. تختصر المشهدية المسافة بين مقاربة أمنية انهارت صباح 7 تشرين الأول 2023، وعقيدة تستند اليوم إلى استخدام القوّة وملاحقة الأعداء أينما كانوا وإبقاء الجبهات تحت الضغط. يومها، كشف الهجوم عمق الفشل في تقدير الخطر ومنع الاختراق. واليوم، يوحي الاستنفار بأن إسرائيل جاهزة لأي تطوّر طارئ، فيما يشير استمرار التهديدات إلى حدود قدرة التفوّق العسكري على إنتاج أمن مستدام.

في المقابل، تبدو المسافة أشدّ قسوة بين وعود "الطوفان" وحصيلته. أكثر من 74200 قتيل في غزة، وفق وزارة الصحة في القطاع، ودمار هائل، ونزوح ومأساة، وسيطرة إسرائيلية على نحو ثلثي الأرض. أمام هذه الوقائع، تصبح سردية الانتصار تفاهة لا حدود لها أمام حجم الكارثة. فأيّ مكسب حقّقته "حماس" للفلسطينيين يوازي اقتلاع حياتهم من جذورها؟ وأيّ "مشروع تحريري" يُقاس ببقاء الحركة، في حين يتراجع المجتمع الذي تزعم تمثيله إلى شروط البقاء الأولية؟

يتكشّف هنا نهج محور طهران: احتكار قرار "المواجهة الانتحارية"، ثم توزيع أثمانه على الشعوب. رُفعت راية "وحدة الساحات"، فتحوّلت الساحات إلى مسارح للحروب، وامتدّت المواجهة إلى لبنان ثم إيران نفسها. ومع كلّ ضربة، يُستدعى خطاب الصمود لتأجيل المحاسبة، كأن استمرار القيادة المنفصلة عن الواقع في إطلاق الخطابات الفارغة يعوّض خسارة البيوت والأرزاق والأرواح. ويغدو الإصرار على النهج نفسه دفاعًا عن الأذرع وسلاحها ومشاريعها، مقاربة قاتلة تستوجب تضافر الجهود لنسفها.

داخل إسرائيل، تتقاطع الذكرى مع انتخابات 27 تشرين الأوّل، فتعود المسؤولية عن الفشل إلى قلب المنافسة. يريد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يحاكمه الناخبون على قوّة ردّه وإضعاف أعداء إسرائيل، من غزة إلى إيران. وتلاحقه عائلات الضحايا بالسؤال الجوهري: أين كانت الحماية صباح 7 أكتوبر؟ اختصرت صرخة أحد الحاضرين في مراسم إحياء الذكرى الاثنين هذا الجرح: "لم تحمِ ابني". وبين استثمار الإنجازات العسكرية والمطالبة بتحقيق في الإخفاق الأمني، تبقى الكلمة الفصل للناخبين في السباق المتقارب.

يحمل تحذير نتنياهو من هجوم قبيل الانتخابات بُعدًا سياسيًّا. فأيّ اختراق جديد قد يعيد تنشيط ذاكرة الفشل، بينما يحاول "بيبي" توظيف الأمر إعلاميًّا لتعزيز صورة "الحارس المستعدّ". ويأتي ذلك في ظلّ استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة شبه يومية في غزة، بما يُبقي القطاع في دائرة الاستنزاف، ويجعل احتمالات التصعيد حاضرة حتى في فترات تراجع حدّة المواجهات.

ويزيد المشهد تأزّمًا التوتّرات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ليبدو الانسداد أوسع من حدود القطاع. وهكذا، تتداخل التطوّرات الميدانية مع التعقيدات السياسية لتمنح الأمن موقع الصدارة في النقاش الانتخابي، وتتيح لنتنياهو إبقاء التركيز على الخطر وسبل مواجهته.

أما "اليوم التالي"، فيظلّ عالقًا عند السلاح والانسحاب والحكم. تتمسّك إسرائيل بنزع سلاح "حماس" قبل الانسحاب، وتطرح الحركة تسليمه ضمن ترتيبات تدريجية، فيما تنتظر اللجنة الوطنية لإدارة غزة دخول القطاع، وتبقى القوّة الدولية قيد التشكيل. وبين الخطط والتنفيذ، يعيش السكان مرحلة صعبة تتآكل فيها مقوّمات الحياة.

وبعد ثلاث سنوات، تُقاس صدقية أيّ مشروع بقدرته على إعادة الحياة إلى غزة. أمّا تحويل خرابها إلى شهادة بطولة، فيختصر الإفلاس السياسي والأخلاقي لمن أطلقوا المغامرة ويصرّون على توريث الناس نتائجها.