مروان الأمين

وحش نرجسيّ

3 دقائق للقراءة

"ويصيروا مائة ضيعة محتلة، مش بس خمسين وستين". ليست هذه العبارة مجرد موقف عابر أطلقته إحدى الناشطات المحسوبات على الماكينة الإعلامية لـ"حزب الله"، بل تختصر، في عمقها، نظرة "الحزب" إلى الجنوب وأهله، وإلى قيمة الإنسان والأرض في حساباته السياسيّة والعسكريّة.

"حزب الله" يقارب الجنوب من منظور أيديولوجي، تتقدم فيه أولويّة الانتماء إلى مشروع ولاية الفقيه على أي اعتبار آخر، بما في ذلك سلامة الجنوب وحياة أبنائه ومصالحهم. لبنان لا يُتعامل معه ضمن إطار المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة، بل مجرد مساحة جغرافيّة يمكن توظيفها في خدمة مشروع ولي الفقيه.

معادلة الربح والخسارة بالنسبة إلى لبنان والجنوب، وحتى إلى البيئة الشيعيّة نفسها، ليست ضمن حساباته. فالدمار الذي يصيب القرى، والأرض التي تُحتل، والضحايا الذين يسقطون، جميعها "خسائر جانبيّة" لا بأس في تقديمها ما دامت تصب في مصلحة مشروع ولي الفقيه.

أنفاق حُفرت تحت المنازل وعلى امتداد القرى، ومخازن سلاح أُقيمت داخل الأحياء السكنيّة، وقيادات وعناصر احتموا بالمدنيين وفي أماكن يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للعائلات والأطفال. هكذا حوّل هذا العقل قرى الجنوب من أماكن يعيش فيها أهلها، إلى "متراسٍ" لمنظومة عسكريّة تخدم مشروع ولاية الفقيه.

لم يكن يومًا السؤال بالنسبة لـ"حزب الله": ماذا يكسب الجنوبيون من هذه الحرب، وماذا يخسرون؟ بل السؤال الوحيد هو: كيف تخدم الحرب مشروع ولي الفقيه؟

إذًا عبارة "ويصيروا مائة ضيعة محتلة" ليست مجرد زلة لسان. إنها تكشف منطقًا سياسيًا كاملا: الأرض يمكن أن تُحتل، والقرى يمكن أن تُدمّر، والناس يمكن أن يدفعوا الثمن، ما دام ذلك يُقدَّم في سبيل مشروع ولي الفقيه.

حين تُحتقر قيمة حياة الإنسان، يصبح من السهل تحويل موته إلى "سعيد"، ودمار قريته إلى "انتصار"، واحتلال مائة ضيعة إلى مجرد تفصيل جغرافي.

الإنسان، بوصفه قيمة قائمة بذاتها، بفرادته وتمايزه وحقه في الحياة والأمان، ليس حاضرًا في حسابات هذا المشروع. الإنسان بالنسبة لهم ليس غاية، بل أداة. وحين يتحول الإنسان إلى أداة، تصبح حياته ورزقه وبيته وقريته تفاصيل قابلة للتضحية في سبيل مشروع ولي الفقيه.

القرية ليست مجرد مساحة على الخريطة، ولا مجموعة من الأبنية يمكن هدمها ثم إعادة تشييدها. إنها المجال الذي عاش فيه الناس، وتَشَكّل فيه مجتمعهم بكل تشابكاته وعلاقاته وقيمه وعاداته. والبيوت والأحياء ليست مجرد حجارة، هي ذاكرة جماعية تراكمت عبر الأجيال.

وهنا تكمن واحدة من أخطر نتائج تحويل الجنوب إلى ساحة عسكرية لمشروع لولي الفقيه: الذاكرة الجماعية لشيعة الجنوب أصابها تشوّه بنيوي عميق.

ما يبدو في حسابات هذا المشروع خسارة قابلة للتعويض بالإنجاب وبإعادة الإعمار، هو في مفهوم المجتمعات تشوّه لا يمكن ترميمه. فالجماعة الشيعيّة، بكل ما تحمله من إرث متراكم لمفاهيم الترابط العائلي والعلاقات الاجتماعية والتركيبة الاقتصاديّة، قد تهشّمت بنيتها الأساسيّة نتيجة هذه الحرب.

عبارة "ويصيروا مائة ضيعة محتلة، مش بس خمسين وستين" هي خلاصة عقل ومشروع نرجسيّ متوحّش. أكثر ما يصح به قصيدة الشاعر نزار قباني:

في كل عشرين سنة

يأتي إلينا نرجسيٌ عاشقٌ لذاته

ليدّعي بأنه المهدي، والمنقذ،

والواحد، والخالد،

والحكيم، والعليم، والقديس،

والإمام...

في كل عشرين سنة

يأتي إلينا رجلٌ مقامرٌ

ليرهن البلاد، والعباد، والتراث،

والشروق، والغروب،

والذكور، والإناث،

والأمواج، والبحر،

على طاولة القمار.