ثمّة كتّاب يروون تاريخ البلدان، وآخرون يحوّلون الجغرافيا إلى طريقة في التفكير. ينتمي كلاوديو ماغريس (Claudio Magris) إلى الفئة الثانية. بالنسبة إليه، المدينة ليست مجرد مدينة، والنهر ليس مجرد نهر، والحدود ليست خطًا على خريطة. كل ذلك يصبح مادة للذاكرة والأدب والتأمل، ومناسبة للسؤال عن الإنسان الذي يعيش داخل التاريخ من دون أن يستطيع الانفصال عنه.
وُلد ماغريس في ترييستي عام 1939، في مدينة تبدو في حد ذاتها كأنها فصل من كتاب عن أوروبا. كانت ترييستي ميناءً رئيسيًا للإمبراطورية النمساوية المجرية، وملتقى للغات والثقافات. ثم أصبحت جزءًا من إيطاليا، وعاشت خلال القرن العشرين تبدلات سياسية وحدودية تركت آثارها في ذاكرة سكانها. لذلك، لم تكن مسألة الهوية بالنسبة إلى ماغريس فكرة نظرية، بل جزءًا من المكان الذي نشأ فيه.
من هنا يمكن فهم علاقته بأوروبا الوسطى. فماغريس روائي وكاتب مقالات وباحث وأستاذ في الأدب الألماني ومترجم، ظلّ ينظر إلى الأدب بوصفه أحد الأماكن التي يمكن فيها استعادة عوالم اختفت من الخرائط. في كتاباته، لا يبدو الماضي ميتًا تمامًا. إنه يغيّر شكله وينتقل من السياسة إلى اللغة، ومن الإمبراطوريات إلى العادات، ومن الحدود القديمة إلى ذاكرة الأشخاص.
مدينة البداية
كان كتابه الأكاديمي المبكر "Il mito asburgico nella letteratura austriaca moderna"، الصادر عام 1963، من الأعمال الأساسية في مشروعه الفكري. درس فيه صورة الإمبراطورية الهابسبورغية في الأدب النمساوي الحديث، وما بقي من عالم سياسي وحضاري بعد زوال الإمبراطورية.
لم يكن اهتمام ماغريس مجرد حنين إلى عالم انتهى. ما يشغله هو الطريقة التي تستمر بها الحضارات بعد سقوط أنظمتها السياسية. يمكن لإمبراطورية أن تختفي من الخريطة، لكن آثارها تبقى في المدن والعمارة واللغة والأدب والذاكرة. هذا أحد المفاتيح الأساسية لقراءة ماغريس، فهو لا ينظر إلى التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث التي تبدأ وتنتهي، وإنما بوصفه طبقات تتراكم فوق بعضها. الماضي لا يختفي عندما ينتهي زمنه السياسي، بل يمكن أن يعود في رواية أو اسم شارع أو مقهى أو ذاكرة عائلة.
وجد هذا السؤال أحد أكثر تعبيراته اكتمالا في "Danubio"، الصادر عام 1986. ظاهريًا، هو كتاب رحلة يتتبع نهر الدانوب من منابعه في ألمانيا إلى البحر الأسود. لكن الرحلة الجغرافية تتحول تدريجيًا إلى رحلة في تاريخ أوروبا وثقافتها. النهر هنا ليس مجرد طريق مائي. إنه خيط يصل بين مدن وبلدان وكتّاب وفلاسفة وجنود وأقليات وذكريات. وكلّما تحركت الرحلة على الخريطة، انتقلت معها القراءة من مكان إلى آخر، ومن زمن إلى آخر. لوحة تذكارية يمكن أن تقود إلى شخص منسي، ومبنى قد يصبح مدخلا إلى حقبة تاريخية، ومدينة يمكن أن تستدعي كاتبًا أو موسيقيًا أو مأساة سياسية.
والدانوب مناسب لعالم ماغريس لأنه لا ينتمي إلى هوية وطنية واحدة. يعبر أو يلامس فضاءات متعددة في أوروبا الوسطى والشرقية قبل أن يصل إلى البحر الأسود. النهر يتحرك بينما تتغير الدول على ضفتيه، وتبقى المدن في أماكنها بينما تتغير الأعلام التي تُرفع فوقها. لهذا تصبح الرحلة عند ماغريس شكلا من أشكال القراءة. إنه لا يسافر لكي يصف الأماكن فقط، بل لكي يكتشف ما تخفيه. الجغرافيا عنده لا تنتهي عند المنظر، وإنما تبدأ منه.
العوالم الصغيرة
في "Microcosmi"، الصادر عام 1997 والفائز بـ "جائزة ستريغا" في العام نفسه، تتغيّر المسافة، لكن لا يتغير المنهج. إذا كان الدانوب قد سمح لماغريس بقراءة أوروبا عبر مسار نهر، فإن العوالم الصغيرة تسمح له بقراءة التاريخ من خلال أماكن محدودة وقريبة. مقهى أو حديقة أو شارع أو مدينة يمكن أن يحتوي على تاريخ أكبر بكثير من حجمه. وهنا يبحث ماغريس عما يبقى بعد أن يغادر التاريخ كتب المؤرخين، في العادات والذاكرة العائلية والأسماء والأشياء اليومية. وقد تحمل التفاصيل الصغيرة وحدها ذاكرة قارة كاملة.
أوروبا التي يكتب عنها ماغريس هي أوروبا التي عرفت الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية النمساوية المجرية، والفاشية والنازية والمحرقة والحرب العالمية الثانية، ثم التحولات التي أعادت رسم الحدود والهويات في القرن العشرين. لكنه لا يتعامل مع هذه الوقائع بوصفها مادة جاهزة للأحكام. ما يهمّه هو الطريقة التي تنتقل بها الكارثة إلى الذاكرة. فالمكان نفسه يمكن أن يحمل ذكريات متناقضة. ما تعتبره جماعة تحريرًا قد تراه جماعة أخرى بداية لكارثة. والمدينة التي تبدو لشخص ما رمزًا للانتماء قد تكون، في ذاكرة شخص آخر، مكانًا للفقدان أو الاقتلاع.
يتضح ذلك في "Alla cieca"، الصادر عام 2005، وفي "Non luogo a procedere"، الصادر عام 2015. في هذه الأعمال، لا تعود الحرب حدثًا انتهى بانتهاء المعارك. إنها تستمر داخل الأشخاص والأماكن واللغة، وتعيد تشكيل الطريقة التي ينظر بها الناس إلى ماضيهم.
واقف بين اللغات
يصعب وضع ماغريس في خانة أدبية واحدة. فهو روائي وكاتب مقالات وباحث وأستاذ جامعي ومترجم، ويكتب عن الأدب كما يكتب عن التاريخ والرحلة والمدينة. واللغة عنده ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما مساحة تتشكل فيها الهوية. والانتقال من لغة إلى أخرى يعني الانتقال إلى طريقة أخرى في رؤية العالم. لذلك، تصبح الترجمة والحدود موضوعين متصلين في مشروعه.
قد تفصل الحدود السياسية دولتين، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تفصل ذاكرة مدينة أو عائلة أو لغة. قد يتغير اسم الدولة، لكن الناس يواصلون العيش في المكان نفسه. وقد تتغير اللغة الرسمية، بينما تبقى كلمات أخرى في البيت أو الشارع أو ذاكرة الأجداد. لهذا تبدو ترييستي في عالم ماغريس أكثر من مسقط رأس؛ إنها مدينة لا تسمح بإجابة واحدة عن سؤال الانتماء، وقد أصبحت رمزًا لأوروبا التي تتقاطع فيها الهويات ولا تختفي داخل بعضها.
حصل ماغريس على جوائز دولية مهمة، من بينها "جائزة أمير أستورياس للأدب" عام 2004 و"جائزة السلام لتجارة الكتب الألمانية" عام 2009. لكن مكانته لا تختصرها الجوائز. الأهم هو المشروع الذي بناه عبر عقود، مشروع كاتب جعل من أوروبا الوسطى مجالا أدبيًا وفكريًا، ومن ترييستي نقطة انطلاق لفهم قارة لا يمكن اختزالها في هوية واحدة.
تبدو أوروبا عند ماغريس أقل شبهًا بخريطة سياسية وأكثر شبهًا بأرشيف حي من الذكريات. إنها أوروبا الموانئ ومحطات القطار واللغات المتجاورة والمدن التي تبدلت تبعيتها السياسية من دون أن تتحرك من أماكنها، والعائلات التي تحمل في ذاكرتها أكثر من وطن. ولهذا يصبح العبور مفهومًا أساسيًا في أعماله. فالشخص الذي ينتقل من مدينة إلى أخرى لا يغيّر موقعه الجغرافي فقط، بل قد يعيد اكتشاف ما كان يظنه ثابتًا في نفسه.
السفر ليس هروبًا من المكان، بل اختبار للعلاقة به. وفي هذا المعنى، يصبح الأدب عند ماغريس فعل مقاومة للنسيان. ليس لأنه يحفظ الماضي كما كان، وإنما لأنه يمنع الماضي من التحوّل إلى صورة نهائية مغلقة. كل ذكرى قابلة لإعادة القراءة، وكل مكان قابل لاكتشاف قصة جديدة. وربما لهذا يستمر الدانوب في التدفق داخل أعماله. النهر لا يسأل عن الجنسيات قبل أن يعبر الأراضي، ولا يتوقف عند الحدود التي رسمتها السياسة. إنه يصل بين أماكن فصلتها الدول، ويحمل في مساره طبقات من التاريخ لا يمكن اختزالها في علم واحد أو لغة واحدة.
هنا تكمن إحدى الأفكار الأعمق في أدب كلاوديو ماغريس: الجغرافيا ليست نهاية الطريق، بل بدايته. نعبر المناظر الطبيعية للوصول إلى الذاكرة، ونعبر اللغة لفهم ثقافة أخرى، ونعبر الماضي لفهم الحاضر. بالنسبة إلى ماغريس، لا يغلق الأدب الخريطة، بل يفتحها. وربما تبدأ أوروبا تحديدًا حيث تقبل الهوية ألا تكون وحيدة.



