للسجن نظام خاص يعتاد عليه المعتقل ويتكيّف معه رغمًا عنه حتى يتمكّن من البقاء حيًّا. هناك لا يعود له إسم بل رقم. لا يرى أحدًا من المعتقلين ولا يراه أحد. كان الدكتور جوزاف هلّيط يعرف الوقت من طريقة عمل السجّانين ومن أوقات تقديم الطعام. عندما عرفوا أنّه طبيب صاروا يستشيرونه في أمور طبية ولكن من دون أن يعني ذلك أي تغيير في طريقة التعامل معه. بعد أربعة أعوام ونصف اقتادوه إلى غرفة رئيس السجن وهناك تفاجأ بوجود أخواته. بعد خمسة أعوام استدعي إلى تحقيق سريع فسأله المحقق عن سمير جعجع أين أصيب وبأي يد؟ متنقلا بين المعتقلات لا يعرف السجين ما هو الحكم الصادر في حقه. ينتظر خمسة أعوام فإذا لم يطلقوا سراحه ينتظر مرور عامين ونصف إضافيين ثم حتى عشرة أعوام وبعدها يقطع الأمل. تفاصيل أيام السجن والعذابات يتابع روايتها الدكتور جوزاف هلّيط لـ"نداء السنين في هذه الحلقة الثانية.
- كيف كنتَ تعرف الوقت؟
كنتُ أعرف الوقت على توقيت تبديل العسكر. كل يوم يبدّلون العسكر. الساعة 2 بعد الظهر يأتي البدل. يبقى إلى اليوم التالي الساعة 2. كيف تعرف أنّه الصباح. الساعة 6 يفتحون عليك الباب. 5؟ 6؟ 7؟ لا تعرف. ولكن في هذا الوقت تقريبًا يكون عندك طلعة على الحمام. عند الظهر بين الساعة 12 والساعة 2 بدّك تطلع عالحمام. وعشيّة نفس الشيء. هذه هي الأوقات. أما إذا نهار؟ تلج؟ صيف؟ شتاء؟ لا تعرف. سأقول لك شغلة من هذه الشغلات. مات باسل الأسد سنة 1994 أنا عرفت بالخبر سنة 1996 وأنا في السجن. لم تكن مسألة سهلة.
- كيف كنت تستعمل الأدوات التي كانت معك في المنفردة؟ ماذا كان معك؟ تخت؟ فرشة؟ حرام؟
شو هودي؟ شو بيعملوا فيهم؟
- ماذا كان معك؟
في شي إسمه يطأ. قماشة تضعها تحتك موجودة في الغرفة.
- الغرفة كانت نظيفة؟
أكيد غير نظيفة. عليك أن تنظف وتشيل وتحط. أكيد عندما وضعوني فيها لم تكن نظيفة. عليك أن تنظفها وترتبها. يطأ يوضع عليك وحرامات. الحرام في حدّ ذاته مشكلة. ولكنك تكون مضطرًّا. الشتوية كانت سيّئة. الصيفيّة صعبة. كنّا نتنفّس من تحت الباب. كان عاليًا نحو 2 سنتمتر. تضع راسك على الأرض حتى تتنفّس وتأخذ الهواء. توجد طاقة في الباب.
- يعطونك منها الأكل؟
لا. بيفتح الباب. بيحطّلك علبة حلاوة. كنّا نسميها المنفردة. 6 أشهر رزّ. 6 أشهر برغل. 6 أشهر قرنبيط. 6 أشهر كوسا مسلوق. بيحطّلك ياهن على جنب. تأخذهم. مع الخبز. حصّتك الغذائية. تأكل وتردّها. هيدي هيي.
- كنت تحكي مع أحد غير السجّان؟
أبدًا. لا يمكن أن تنظر إلى السجّان. ممنوع.
- راسك بالأرض؟
راسي بالأرض. بعدما عرفوا لاحقًا أنّني طبيب صارت هناك استشارات طبية يطلبونها للعسكر وللمساجين لأنّه لم يكن هناك طبيب في سجن فلسطين. من بين الأشياء التي كانت تحصل كنت أطلع أفحص عالم وأعطيهم إبر ولكن لا بشوفهم ولا بيشوفوني. بحطّ منشفة على راسي وهنّي بيحطوا حرام. أسأل العسكري والعسكري يسألهم. يجاوبونه فيجاوبني. الصعب كانت معالجة النسوان.
- كانت توجد نساء في الإنفرادي؟
في قدّ ما بدّك. تأتي على الإفرادي ثم تنقل إلى المهجع الخاص بالنساء. يسأل السجّان المرأة هناك ثم يأتي لعندي ويسألني. ثم بيرجع يروح. هكذا كان مرسال الهوا.
- هذا الأمر أراحك في السجن؟ صرت مميّزًا؟
ولا شقفة.
- كم استمرّت فترة التحقيق الأولي مع التعذيب؟
63 يومًا.
- كل يوم كان هناك تحقيق؟
مبدئيًا أول 15 يوم بشكل مكثّف وكل يوم.
- ذات التحقيق؟
هو ذاته. بتكتب وبتمضي وكلّها إجراءات روتينية. مضيت وأنا مكلبج. مضيت على صفحات على بياض لا أعرف ما هي. مش إنّو تحقيق. بعد 63 يومًا نُقلت إلى فرع فلسطين. آخر مرحلة بفرع فلسطين قبل أن ينقلونا عملوا معنا تحقيق عندما نقلت إلى فرع التحقيق وهو يبعد 50 مترًا عن الفرع. هناك ممرّ بينهما بين مبنى ومبنى آخر. فرع التحقيق فرع مركزي. قال لي إسمك غير مسجّل عندنا. كان ذلك بعد أربع سنوات ونصف. لم يكونوا مبلّغين أنّني موجود. استغرب السجانون والعسكر هناك.
- عدت خضعت لمسار جديد في التحقيق؟
لا. لم يحقّقوا معي هناك أبدًا. نقلوني من هناك مباشرة إلى سجن المزّة. صار معي تحقيق عند مدير السجن. أتى رئيس المحكمة الميدانية إلى المزّة. واستدعاني وحقّق معي ثم نُقلت إلى صيدنايا. بداية سنة 2000 ردّوني إلى التحقيق في فرع فلسطين مرة ثانية ليوم واحد. عملوا معي إعادة تحقيق وردّوني.
- عرفت ما هو الحكم عليك؟ ماذا حكموك؟
أبدًا.
- فقط قاعد في السجن؟
سأقول لك كيف نحن نقسم الأحكام. عندما وصلت إلى المزّة نقسم الموضوع كما يلي: صفر الحبس خمس سنين. عندما تصير خمس سنين بتضب أغراضك وبتوقف عالباب.
- تنتظر؟
تنتظر. إذا قطعت الساعة 2 بعد الظهر وما مشي الحال بترجع.
- لا تحكي عن نفسك بل عن كل المعتقلين.
كل المعتقلين. خمس سنين. سبع سنين ونصف. عشر سنين. 15 سنة. بعد ذلك مؤبّد.
- إعدام؟
الإعدام ما كان يطوّل. دغري يشيلوه.
- كل واحد كان ينتظر الإعدام؟
أكيد. لا تعرف. لا تعرف شو السبب. ما في أي اعتبار. بعد خمس سنين سنة 1997 في 24 كانون الأول ليلة عيد الميلاد أخذوني إلى التحقيق في المحكمة العسكرية الميدانية على الحدود اللبنانية السورية في جديدة يابوس التي كان يجب أن تكون محكمة عسكرية مشتركة لبنانية سورية. كان الضبّاط السوريون وحدهم موجودين. كل اللي سألني ياه كان من وين جايب ثياب؟ قلت له الشباب عطيوني ياهن. كان ثلج. سألني من وين جايب الجاكيت؟ قلت له الشباب عطيوني ياها. السورفتمان؟ قلت له الشباب.
- من الشباب؟
الشباب. الذين كانوا معي في السجن. كنت في السجن الجماعي. في المزّة كنا في الجناح كلّنا لبنانيين. سألني وين منصاب سمير جعجع؟ قلت له: وين منصاب سمير جعجع؟ شو بيعرّفني وين منصاب؟
- حققوا معك من جديد عما إذا كنت في "القوات اللبنانية"؟
لا. خمسة دقائق فقط.
- كان وقتها في السجن.
نعم. سألني وين منصاب بأي إيد؟ قلت له مجدّدا: وين منصاب؟ جايبني من المزّة لهون لتسألني وين منصاب؟ شو عرّفني. روح فلّ. هيدي هيي.
- فقط؟
هيدي المحكمة. وقت خروجنا من صيدنايا إلى فرع التحقيق عندما أتت مجموعة عدنان عضوم وجميل السيّد لكي ينقلونا إلى لبنان عرفنا هناك كل واحد ما هو حكمه.
- أهلك كيف عرفوا أنّك موجود وحي ومعتقل في سوريا؟ لديك أقارب في سوريا؟ أمك سورية؟
أمي سورية. المسلسلات التي عرضت أرجعت لي الذكريات. كوني عضوا في الهيئة الوطنية للمعتقلين قسرًا وعندنا تفاصيل عن علاقة المرأة بالمعتقلين والمفقودين وأرى عذاباتهم وكم كانوا ينتظرون. إحدى أخواتي كانت تبقى بشكل مستمرّ على الباب ناطرة بس يعطوها موعد زيارة لمدّة سنتين وبشكل مرّتين أسبوعيًا. كانت تروح تنطر 4 -5 ساعات ليعطوها بسّ إذن زيارة.
- كانت عرفت أنك هناك؟
نعم. بعد سنتين ونصف. بعد أربع سنوات ونصف أعطوها موعدًا.
- أين كنت صرت؟ في أي سجن؟
في فرع فلسطين.
- أول موعد لقاء كنت لا تزال في فرع فلسطين؟
نعم.
- كيف كان أول لقاء؟ كيف عرفت أنهم سيأتون؟
لم أعرف.
- كيف بلّغوك؟
ما في شي. بس طلاع. بيفتح الباب. طلاع. طلعت.
- كنت لا تزال في الإنفرادي؟
نعم. في الإنفرادي. طلعت على غرفة مدير السجن. قعود هون. قعدت هون. كانوا قبل فترة محققين معي. سألني وين كنت سهران راس السنة؟ قلت له بالشيراتون. وين سهران؟ بالإفرادي. حدا اشتكى علي كون العسكر يأتون ويسألونني عن أمور طبية اعتقدوا أن إحدى السيدات الموجودات في السجن زارتني في الإفرادي. كان طالع شكوى عليّي. إنّو أنت وين كنت سهران؟ أخدها بالضحك وقَطَعِت. بعد فترة دخلت لعنده وكانت الزيارة.
- من كان؟
أخواتي البنات. الشباب ما استرجوا.
- تفاجأت؟
أكيد. ما عندي معلومة. بصراحة سؤال صعب ما فيي جاوبك عليه. ما بعرف.
- سلمتم على بعضكم؟
أكيد. ما قدرت أعرف كيف أتواصل أنا وإياهن. شو بدي إسألهن؟ عن شو؟ شو بدّهم يعملوا؟ ما كنت مجهّز حالي. أوّل شي كانت مفاجأة وهنّي كان بدّهم يتطمنوا عن صحتي. تفاصيل كثيرة.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
يتبع السبت 11 تشرين الأول 2026
كل مسيحي "قوات" وكل مسلم "توحيد".
نيّمونا كلّنا على الأرض وبدأوا الخبيط
لم يكن معنا أحد من معتقلي 13 تشرين

