الدكتور سايد حرقص

لبنان في إنتظار استحقاقات الخارج

3 دقائق للقراءة

بين انتخابات إسرائيلية تعيد رسم موازين القوى في تل أبيب، وانتخابات أميركية تعيد تحديد هامش حركة الإدارة في واشنطن، تقف السلطة في لبنان أمام خيارات صعبة: فإما أن تقرر إبقاء البلد، ساحةً تتفاعل مع نتائج قرارات الآخرين، وإما أن تُقدم على حماية مصالح لبنان عبر اتخاذ قرارات جريئة، مع امتلاك الرغبة والقوة على تنفيذها.

قد تتغيّر الحكومات في إسرائيل، ويرحل نتنياهو ويأتي غيره، وقد تتبدّل موازين القوى داخل الكونغرس الأميركي، كما قد تعيد واشنطن وتل أبيب حساباتهما تجاه إيران والشرق الأوسط. لكن أياً من هذه التحولات لن يغيّر جوهر المعضلة اللبنانية. فالدول القوية لا تنتظر التحولات الإقليمية والدولية لتحدد مصيرها، بل تحوّلها إلى فرص لتعزيز قوتها وتثبيت مصالحها وتحقيق التطور والازدهار. أما الدول الهشّة، فتظل أسيرة هذه التحولات، تتبدّل توازناتها مع كل تغيير في الخارج، لأنها تكتفي بانتظار ما سيقرره الآخرون لها، بدلاً من أن تمتلك القدرة والإرادة على تقرير مستقبلها بنفسها.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية اللحظة الراهنة. فلبنان ليس معنيًا فقط بنتائج الانتخابات في الخارج، بل بما قد تُحدثه هذه النتائج من انعكاسات على أوضاعه الداخلية وتوازناته السياسية الهشّة. ففيما تخوض إسرائيل نقاشًا داخليًا حول أمنها وحدودها وكيفية إدارة قوتها، وتعيد الولايات المتحدة، عبر استحقاقاتها الانتخابية، تقييم خياراتها وسياساتها، يقف لبنان أمام أسئلة يفترض أن تكون من أبسط بديهيات الدولة، لكنه لا يزال عاجزًا عن حسمها: من يقرر الحرب والسلم؟ من يحتكر السلاح؟ من يحمي الحدود؟ ومن يحدد سياسة لبنان الخارجية انطلاقًا من مصلحته الوطنية؟

لذلك، فإن مراقبة ما يجري في تل أبيب وواشنطن لا ينبغي أن تدفع اللبنانيين إلى انتظار «الحل» من الخارج، بل إلى طرح السؤال في الاتجاه المعاكس: ماذا كان يمكن أن يكون عليه لبنان لو امتلك سلطة قادرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية والتعامل معها من موقع المصلحة الوطنية، لا من موقع الساحة التي تنتظر نتائج قرارات الآخرين؟

ومن هذه الزاوية، يصبح الربط بين انتخابات الخارج وتوازنات الداخل مكمن الخطر الحقيقي على لبنان. فكلما أعادت إسرائيل أو الولايات المتحدة أو إيران ترتيب أوراقها، عاد السؤال اللبناني نفسه إلى الواجهة: ما تأثير هذه التغيّرات على أرض لبنان؟ وإلى متى سيبقى لبنان «حقل اختبار» لكل أزمة جديدة في الشرق الأوسط؟

من هنا، قد تكون الانتخابات الإسرائيلية والأميركية مهمة، لكنها بالنسبة إلى لبنان تطرح استحقاقاً أعمق: استحقاق الدولة نفسها. فلبنان لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي، ولا منع الآخرين من حماية مصالحهم، لكنه يستطيع، إذا تجرأت السلطة الحاكمة، أن يقرر كيف يحمي مصالحه.

الخيار في النهاية ليس بين الخارج والداخل، بل بين دولة تملك قرارها وساحة يدفع شعبها ثمن صراعات الآخرين.