على ارتفاع يلامس السحاب في أعالي السلسلة الشرقية لجبال لبنان، تعيش بلدات حام، معربون، وطفيل فصلا ممتدًا من فصول العزلة القسرية والتهميش الإنمائي المفتعل. فالشريان الجغرافي والحدودي الاستراتيجي، الذي يمتد على طول 23 كيلومترًا ويربطها ببعلبك، تحوّل بفعل الآليات الثقيلة والشاحنات التي تنقل الرمل والبحص من الكسارات غير المرخّصة إلى مصيدة للسيارات، بفعل الحفر والمخاطر اليومية، معيدًا الأهالي إلى مربّع المعاناة الأول قبل عقد ونصف.
حتى أوائل التسعينات، كانت البلدات الثلاث تعيش عزلةً شبه تامة عن العمق اللبناني، حيث كان التداخل الجغرافي يفرض على الأهالي التوجه إلى الداخل السوري، سرغايا، الزبداني، عسال الورد، وغيرها لتأمين متطلبات الحياة اليومية إضافة إلى الطبابة والتعليم. وتحت وطأة المطالبات الشعبية والمخاتير حيث لم يكن هناك بلديات، بدأت الدولة عبر وزارة الأشغال تعبيد الطريق الترابي الذي يصل حام ومعربون ببعلبك، مرورًا بمناطق عين البنية والنبي أسباط وعين بورضاي، فيما بقيت طفيل معزولة عن شقيقتيها والمنطقة بأكملها، وبقي طريقها ترابيًّا حتى منتصف العام 2018، حيث أعيد ربطها بالداخل اللبناني، وأعادتها شركة سيزرز إلى حضن الوطن عبر المشاريع التي أطلقتها، بعدما ظنها الجميع أنها سورية، وباتت تشكل الجزيرة اللبنانية الحلم على الحدود.
استبشر أهالي القرى خيرًا إثر التعبيد وإعادة استصلاح الطريق قبل نحو خمسة عشر عامًا، بعد عقود من المعاناة والغبار والوحول، وفيما ساهم هذا التزفيت في إنعاش القرى جزئياً، وثبت المزارعين في أرضهم، وسهل جركة تنقل المعلمين والمتعلمين والتلاميذ والآليات العسكرية للجيش لضبط الحدود، عادت الأمور إلى نقطة الصفر منذ عشر سنوات، وإزدادت معها المعانة سنة بعد أخرى، إثر نشاط عشرات الكسارات والمرامل "غير مرخصة" في جرود السلسلة الشرقية عدا واحدة في محلة عين الجوزة، متوقفة عن العمل منذ ست سنوات وباتت الطريق ممرًا يوميًا لمئات الشاحنات الضخمة والآليات الثقيلة المحملة بأوزان وأطنان تفوق القدرة الاستيعابية لطبقات الزفت والأسس الفنية للطريق.
وبفعل غياب قنوات لتصريف المياه والأوزان الزائدة، انهارت القشرة الاسفلتية بالكامل، وتحوّل الطريق إلى خندق مليء بالحفر العميقة، والتخسفات، وتآكلت جوانبها، مما حولها إلى طريق جردية وعرة وخطرة مجددًا، وجعلها غير صالحة لمرور السيارات المدنية الصغيرة، ويتسبب بأعطال فادحة فيها، ويعيق حركة سيارات الإسعاف بحالة الطوارىء، ما دفع بالأهالي إلى النزوح الصيفي والشتوي، وأفرغها من سكانها.
وما يزيد الطين بلّة هو الواقع المناخي القاسي للمنطقة، فهذه الطريق ترتفع عن سطح البحر بين 1400 و2300 متر، وتواجه سنويًّا عواصف ثلجية شرسة تؤدي إلى تراكمات بارتفاعات شاهقة، ما يعزل بلدات حام ومعربون وطفيل لأسابيع، لولا وجود مراكز للجيش اللبناني تعمل آلياته على فتح الطريق للوصول إلى العناصر والمراكز.
لم تسعف الأهالي كل التحركات باتجاه وزراء الأشغال المتعاقبين لتعبيد الطريق وإيجاد حلّ لمعضلة الكسارات والمرامل، حيث بات الواقع يشبه الجريمة بحق أهالي المنطقة الصامدين في أرضهم وبلداتهم. فالطريق متروكة تنهشها إطارات الشاحنات، بينما تلوذ وزارة الأشغال بالغياب التام عن معالجة الطريق وخدمة الأهالي. ولأن سياسة استجداء الزفت قد انتهت، فإن الأهالي يطالبون بانتزاع حقهم بتعبيد الطريق إسوةً بكل البلدات اللبنانية والقرى على مجمل المساحة اللبنانية، حتى لا تتحول القضية إلى تواطىء بين الوزارة وأصحاب الكسارات، رافضين أن تعزل قراهم ويحكم عليها بالإعدام.