أثار البيان الذي صدر عقب زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الى رئيس المجلس النيابي نبيه بري قبل أيام، تفسيرات متعددة تصب في مجملها في خانة ترجيح ان يكون الرجلان قد اتفقا على الاستعانة بالقطاع الخاص لإنقاذ قطاع الكهرباء. وقد ذكر البيان بوضوح إن البحث تناول ضرورة إيجاد حل جذري لملف الكهرباء، «ولو من خلال نظام الـBOT أ و من خلال اتفاق لبناني دولي".
لكن انتقال الدولة إلى نموذج BOT لا يعني أن المشكلة المالية أصبحت محلولة. فالمستثمر الخاص لا يستطيع الدخول إلى مشروع يحتاج إلى مئات ملايين الدولارات اعتماداً على وعود عامة بالإصلاح. وما يطلبه هو منظومة متكاملة من الضمانات التي تجعل المشروع قابلاً للتمويل، أو ما يعرف بـ«Bankable Project».
أولى هذه الضمانات هي عقد طويل الأجل لشراء الكهرباء، يحدد الجهة التي ستشتري الإنتاج والسعر الذي ستدفعه وآلية تعديله، فضلاً عن معالجة حالات عدم شراء الكميات المتفق عليها. وهذه النقطة شديدة الحساسية، لأن مؤسسة كهرباء لبنان ستكون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طرفاً أساسياً في هذه المعادلة. وبالتالي سيطرح المستثمر والمصارف سؤالاً بسيطاً: هل تستطيع المؤسسة دفع مستحقات المشروع بصورة منتظمة طوال فترة العقد؟
ومن هنا تأتي الحاجة إلى ضمانات للدفع. فقد يطلب المستثمر ضماناً حكومياً أو آلية تضمن تسديد المستحقات في حال عجز مؤسسة كهرباء لبنان. لكن هذه المسألة تضع الدولة أمام معضلة أساسية: كيف تقدم ضمانة مالية ذات صدقية وهي نفسها تعاني من أزمة مالية وعجز في المالية العامة؟
ولا تقتصر المخاطر على الدفع. فالمستثمر الأجنبي يريد ضمان قدرته على تحويل أرباحه وأمواله إلى الخارج، والحماية من مخاطر تغيير القوانين أو فسخ العقد أو الإخلال بالتعهدات الحكومية، فضلاً عن مخاطر الحرب والاضطرابات. ولذلك يمكن أن تلعب مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وIFC وMIGA دوراً أساسياً من خلال توفير ضمانات أو تغطيات لبعض المخاطر السيادية والسياسية.
كذلك، فإن نموذج BOT يحتاج إلى معالجة مشكلة الجباية. فكلما كانت إيرادات المشروع أكثر مباشرة واستقراراً، أصبح تمويله أسهل. ولهذا أتاحت تعديلات قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص إمكان منح شركة المشروع دوراً في تحصيل الإيرادات في بعض الحالات، بما يسمح بربط قدرة المشروع على سداد ديونه وتحقيق عائد للمستثمر بالتدفقات النقدية التي يولدها.
لكن كل هذه الضمانات تصطدم في النهاية بمشكلة التعرفة. فإذا كانت كلفة إنتاج الكهرباء أعلى من السعر الذي يستطيع المستهلك دفعه، فستبقى هناك فجوة لا بد من تغطيتها. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام BOT في لبنان ليس العثور على شركة قادرة على بناء محطة كهرباء، بل توزيع المخاطر بطريقة تجعل المشروع قابلاً للتمويل. فالمستثمر يحتاج إلى ضمانات، والمصارف تحتاج إلى ضمانات للمستثمر، والدولة تحتاج بدورها إلى مؤسسات دولية تساعدها على تغطية جزء من مخاطرها.
وتصبح المعادلة في هذه الحالة واضحة: المستثمر يريد ضمان الإيرادات، والإيرادات مرتبطة بقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على الدفع، وقدرة المؤسسة مرتبطة بالتعرفة والجباية ووضع المالية العامة. وفي النهاية يبرز السؤال الأصعب: من يضمن الضامن؟
إذا تمكن لبنان من إشراك المؤسسات الدولية في تغطية جزء من المخاطر، ورفع الجباية، وضبط الهدر، واعتماد تعرفة قابلة للاستدامة، فقد يتحول BOT إلى أداة فعلية لإنقاذ قطاع الكهرباء. أما إذا بقيت الدولة عاجزة عن تقديم ضمانات ذات صدقية، فقد يجد لبنان نفسه أمام تجربة جديدة من الوعود والمشاريع التي لا تجد التمويل، رغم وجود المستثمرين الراغبين في الدخول إلى السوق.
لجنة الاشغال والطاقة
في السياق، عقدت لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه جلسة برئاسة النائب سجيع عطية، وحضور الأعضاء وممثلين عن الإدارات والجهات المعنية، خصصت لبحث ملف تشغيل معملي الذوق والجية.
وبعد الاستماع إلى المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك وممثلي المؤسسة والهيئة الناظمة ومديري المعامل والشركة المشغلة، أشار عطية إلى أن "اللجنة توصلت إلى خلاصة عملية تقضي بأن يعقد مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان اجتماعاً الأسبوع المقبل، مبدئياً يوم الاثنين، للبحث في بدء تشغيل معمل الجية والوحدة العاملة في معمل الذوق، بالتنسيق مع الشركة المصنعة".
ولفت إلى أن "المعامل ما زالت متوقفة في وقت يعاني المواطنون من ارتفاع كلفة الكهرباء"، معتبراً أن "غياب التنسيق بين الجهات المعنية خلال السنوات الماضية أسهم في تأخير معالجة الملف". وشدد على أن "الجدية والتعاون بعيداً من التجاذبات من شأنهما الوصول إلى نتائج تؤمن التغذية الكهربائية للمواطنين".
من جهته، قال مقرر اللجنة النائب محمد خواجة:" إن اللجنة مارست دورها الرقابي في البحث عن حلول لمعاناة اللبنانيين من ارتفاع كلفة الكهرباء"، مشيراً إلى "وجود تباين بين الجهات المعنية، بما فيها مجلسا الإدارة السابق والحالي، حول الجوانب الفنية للملف".
وأوضح خواجة أن "ممثلي الجهات المعنية أشاروا إلى أن تأمين كميات كافية من الفيول قد يتيح رفع التغذية إلى ما بين ثماني وعشر ساعات، فيما تبقى أزمة السيولة وتأمين التمويل من أبرز العوائق"، مؤكداً أن اللجنة" تتابع الملف انطلاقاً من مصلحة المواطنين".