خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وجد لبنان نفسه في قلب حربين لم يكن قرار اندلاعهما نابعًا من مؤسسات الدولة اللبنانية ولا من إرادة اللبنانيين مجتمعين، بل من قرار اتخذه "حزب الله" منفردًا تحت عناوين "الإسناد" و"وحدة الساحات" و"الدفاع عن محور المقاومة". والنتيجة كانت كارثية على لبنان واقتصاده ومجتمعه وأمنه، ما يجعل إجراء مراجعة نقدية شاملة من جانب "الحزب" ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة أخلاقية.
ففي الثامن من تشرين الأول 2023، فتح "حزب الله" جبهة الجنوب تحت شعار إسناد غزة، من دون أي تفويض من الدولة اللبنانية أو توافق وطني. وبعد أكثر من عام من المواجهات، انتهت الحرب بخسائر بشرية ومادية هائلة، وبدمار واسع أصاب قرى الجنوب والبنية التحتية اللبنانية، فضلا عن موجات نزوح كبيرة وتراجع اقتصادي إضافي في بلد كان أصلا غارقًا في أسوأ أزمة مالية في تاريخه. وقد بدأت المواجهات الحدودية بعد يوم واحد من هجوم حماس على إسرائيل، وتحولت تدريجًا إلى حرب واسعة امتدت آثارها إلى مختلف المناطق اللبنانية.
لكن بدلا من استخلاص العبر من تلك التجربة، عاد "الحزب" عام 2026 لينخرط مجددًا في مواجهة عسكرية تحت شعار "إسناد غزة"، ما أدى إلى جولة جديدة من الدمار والضحايا والنزوح. لبنان دفع مرة أخرى ثمن قرار لم تتخذه مؤسساته الشرعية، بل اتخذه "حزب الله".
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في نتائج الحربين، بل في غياب أي مراجعة حقيقية داخل "الحزب". فحتى اليوم، لم يسمع اللبنانيون تقويمًا صريحًا للأخطاء التي ارتُكبت، ولا اعترافًا بحجم الخسائر التي ترتبت على تلك الخيارات. لم يُطرح سؤال بسيط: ماذا حقق لبنان من حرب الإسناد؟ وهل كانت المكاسب المفترضة توازي حجم الدمار الذي أصاب البلاد؟
إن المراجعة المطلوبة ليست تفصيلا إعلاميًا أو مناورة سياسية. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين "الحزب" والدولة اللبنانية. فـ"الحزب" الذي بنى شرعيته لعقود على شعار حماية لبنان، مطالب اليوم بالإجابة عن سؤال معاكس: من يحمي لبنان من نتائج قرارات "الحزب" العسكرية؟ وكيف يمكن لدولة أن تستعيد سيادتها فيما قرار الحرب والسلم ما زال خارج مؤسساتها؟
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن منطق "المقاومة فوق الدولة" لم يعد ينتج سوى مزيد من الأزمات والعزلة والخسائر. كما أثبتت التجربة أن ربط لبنان بالمحاور الإقليمية يحمّله أثمانًا تفوق قدرته على الاحتمال. ولذلك فإن المراجعة الحقيقية يجب أن تبدأ بالاعتراف بأن لبنان لا يستطيع أن يكون ساحة مفتوحة لحروب الآخرين، وأن مصلحة اللبنانيين يجب أن تتقدم على أي حسابات عقائدية أو إقليمية.
بعد حربين مدمرتين خلال ثلاث سنوات، لم يعد السؤال ما إذا كان "حزب الله" يحتاج إلى مراجعة، بل لماذا تأخرت هذه المراجعة حتى الآن، ومن سيدفع ثمن استمرار إنكار الوقائع إذا استمر "الحزب" في النهج نفسه؟