يدخل لبنان الأسابيع المقبلة بين طاولة مفاوضات عسكرية يتحضّر لها، واحتمال تصعيد قد يسبق أي تقدّم عليها. وفيما تقترب الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، يزداد القلق من أن يتحوّل الجنوب ساحةً لتحسين شروط التفاوض، وأن تتداخل الحسابات الانتخابية مع القرارات العسكرية، في مرحلة لم تتبلور فيها بعد ملامح التسوية.
وتعتبر مصادر أميركية لـ"نداء الوطن" أنّ المفاوضات المستمرّة تندرج حاليًا في إطار "تقطيع الوقت"، بانتظار حسم المسار العسكري مع إيران واتّضاح اتجاه المرحلة المقبلة. ووفق هذه القراءة، يسمح إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بمواصلة البحث في الترتيبات الأمنية.
وفي موازاة استمرار التفاوض، تبقى آلية تنفيذ أي تفاهم موضع نقاش: مَن سيراقب "المناطق التجريبية"، وبأي صلاحيات؟ تؤكد المصادر أنّ الطرف الثالث لم يُحسم بعد، وأنّ واشنطن لا تعتزم "النزول إلى أرض الجنوب"، بل سيقتصر دورها على المراقبة والإشراف.
أما بالنسبة لمن سيخلف قوّة الطوارئ الدولية، فتؤكد المصادر الأميركية أنّ "اليونيفيل" أصبحت ورقة من الماضي، ولن تقبل واشنطن إعادة إنتاجها بأي صيغة، حتى لو اقتضى الأمر استخدام "الفيتو" في مجلس الأمن. ومع غياب الاتفاق على البديل، يبرز خطر فراغ في المراقبة الدولية جنوبًا، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للتحرّك الميداني.
ويأتي هذا التشدد فيما يقترب انتهاء ولاية القوة الدوليّة، فالقرار 2790، الصادر في 28 آب 2025، حدّد التمديد الأخير حتى 31 كانون الأول 2026، يعقبه انسحاب تدريجي ومنظّم خلال عام 2027. وبذلك، يفرض البحث في ترتيبات المرحلة التالية نفسه على المفاوضات، إذ لا يكفي الاتفاق على الالتزامات من دون تحديد الجهة التي ستراقب تنفيذها.
ولا يقتصر التشدد الأميركي على الملف الأمني. فأكدت المصادر أنّ أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي وجّهوا، خلال لقائهم رئيس الحكومة نواف سلام والوفد المرافق، رسائل قاسية وعالية السقف، تعكس موقف الإدارة من أداء الدولة اللبنانية. ومضمونها أنّ بيروت تماطل في تنفيذ قراراتها المتعلقة بنزع السلاح، وتتأخر في إنجاز الإصلاحات المصرفية، فيما تتّسع الفجوة بين التعهّدات والتنفيذ.
وتتقاطع هذه المعلومات مع المطالب الأميركية المعلنة. ففي بيان الخزانة الأميركية عن لقاء الوزير سكوت بيسنت مع سلام ووزير المال ياسين جابر، في 28 أيلول، دعا بيسنت الحكومة إلى اتخاذ خطوات استباقية لتعطيل الشبكات المالية الإيرانية وشبكات "حزب الله"، وشدّد على ضرورة دفع إصلاحات القطاع المالي لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني.
وفي هذا السياق، تكشف مصادر أميركية مطّلعة لـ"نداء الوطن" أنّ عقوبات جديدة ستُفرض على عدد من كبار الضباط اللبنانيين، ولن تقتصر على الجيش أو الأمن العام، بل ستشمل أجهزة أخرى. كذلك، ستطال أفرادًا وشركات ومؤسسات مصرفية، من دون تحديد أسماء المستهدفين أو موعد إعلان الإجراءات.
وتؤكد المصادر أنّ عين الإدارة الأميركية على الاقتصاد النقدي في لبنان، أو الـ"Cash Economy"، وأنّ قرارات إضافية وتشديدًا للرقابة عليه مرتقبان، بما يشمل حركة الأموال النقدية التي تدخل بطرق متعددة عبر المرافق اللبنانية.
هكذا، يتقدّم لبنان نحو جلسة التفاوض العسكرية تحت ضغط عقوبات أميركيّة جديدة، واحتمال كبير للتصعيد العسكريّ الاسرائيليّ، فيما تبقى ترتيبات الجنوب معلّقة على مسار المواجهة مع إيران. وفي ظلّ التصعيد في اليمن، يتزايد القلق من أن تسبق تطوّرات الميدان أيّ مفاوضات.