ألان سركيس

الدولة وشعار "فاوض ما تعالج" القاتل

3 دقائق للقراءة
مقر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في تامبا

تذهب الدولة إلى التفاوض، فيما تترك المشكلة خلفها. تفتح الأبواب مع واشنطن، تجلس مع الإسرائيلي، تبحث في الخروقات والانسحاب والمناطق التجريبية، ثم تعود إلى بيروت. هناك، لا شيء يتغيّر في جوهر الأزمة. يبقى السلاح خارج سيطرة الشرعية، وتبقى القرارات بلا ترجمة كاملة، ويظل لبنان يدور في الحلقة نفسها. أخطر ما في المشهد أنّ عدم تطبيق القرارات لم يعد مجرد توصيف سياسي، بل بدأ يتحول إلى سياسة قائمة بذاتها.

تتجه الأنظار إلى تامبا الأميركية مع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية. وتفيد معلومات "نداء الوطن" بأن الطابع العسكري يغلب حتى الساعة على المحادثات المنتظرة. يأتي ملف الخروقات في المقدمة، في ظل استمرار عمليات الجرف والتدمير والتفجير الإسرائيلية في الجنوب. وبعده ملف محاولة إحياء المناطق التجريبية، ثم مسألة الانسحاب الإسرائيلي.

وتدخل تل أبيب على الخط من الجهة المقابلة بورقة سلاح "حزب الله". تطرح عدم قدرة الدولة اللبنانية، حتى الآن، على اتخاذ إجراءات حازمة، وتضع هذا الملف في صلب النقاش. وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا، لبنان يريد معالجة الخروقات والانسحاب، بينما تريد إسرائيل معالجة مسألة السلاح.

وتجلس الولايات المتحدة في الوسط. تحاول واشنطن تركيب تفاهم يمنع انهيار وقف إطلاق النار، ويبحث عن صيغة قابلة للتطبيق بين طرفين تتسع الفجوة بين مطالبهما. لكن الدور الأميركي لا يلغي السؤال الذي يطارد الدولة اللبنانية: ماذا فعلت هي؟

تتزايد، وفق المعطيات السياسية المتداولة، الملاحظات الأميركية على الأداء اللبناني. فالشعارات في بيروت جيدة. القرارات موجودة. البيانات حاضرة. لكن الأرض شيء آخر. تتحدث الدولة عن حصرية السلاح، فيما لم تُصادر بندقية واحدة من "حزب الله". تعلن التزامها بالقرارات، فيما يبقى التنفيذ من دون المستوى الذي ينتظره الخارج.

وهنا تحديدًا تكمن العقدة. تفاوض الدولة إسرائيل على الانسحاب، لكنها لا تعالج أصل المشكلة التي تستخدمها تل أبيب ذريعة لاستمرار الضغط. تطلب من الأميركي أن يضبط الإسرائيلي، بينما يطلب الأميركي منها أن تثبت قدرتها على ضبط السلاح داخل حدودها. تذهب إلى الخارج بورقة التفاوض، لكنها تترك في الداخل ورقة التنفيذ معلّقة.

ولا يمكن شراء الوقت إلى ما لا نهاية. قد تنجح المفاوضات في تأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع إلغاء أسبابه. وقد تنتج الوساطة الأميركية تفاهم موقت، لكنها لن تستطيع أن تحمل لبنان على ظهرها إلى الأبد. فواشنطن نفسها تتحرك في المنطقة وفق حسابات أكثر تشددًا تجاه الأذرع الإيرانية.

ويكفي التوقف عند اليمن. هناك ظهر مستوى مختلف من الحزم الأميركي في التعامل مع القوى المرتبطة بإيران. والرسالة لا تحتاج إلى كثير من التفسير، مرحلة التسويات المفتوحة على الوقت ليست مضمونة إلى الأبد.

لذلك لا تستطيع بيروت أن تراهن على استمرار قدرة واشنطن على ضبط تل أبيب، ولا على استعداد الخارج لمنحها مهلة جديدة بعد كل جولة. فكل تأخير يراكم الضغط، وكل مراوحة تضيّق هامش الحركة.

تذهب الدولة إلى تامبا لتفاوض. وهذا حقها وواجبها. لكن عليها، بالتوازي، أن تعالج. فلبنان لا يستطيع أن يبني دولة على طاولة المفاوضات، ثم يهدم مفهوم الدولة في الداخل بالتأجيل. ولا يستطيع أن يطلب من الخارج حماية حدوده، فيما يعجز عن فرض قراراته داخلها.

المشكلة ليست في أن لبنان يفاوض. المشكلة في أن يفاوض كي لا يعالج. وعندما يصبح التفاوض بديلا من القرار، يتحوّل الوقت من فرصة إلى فخ. وعندها قد لا يعود السؤال: ماذا ستنتج جولة تامبا؟ بل: كم بقي من الوقت قبل أن يدفع لبنان ثمن المراوحة؟