يواصل المتمرّدون الحوثيون، بدعم النظام الإيراني المأزوم وتوجيهه، هجماتهم الإرهابية على الأعيان المدنية والاقتصادية في السعودية، في الوقت الذي يخسرون فيه زمام المبادرة على الجبهات في اليمن مع استمرار الهجوم المضاد الذي تشنّه قوّات الحكومة اليمنية الشرعية بدعم جوّي سعودي. انطلاقًا من ذلك، يُمكن قراءة الإرهاب الحوثي ضدّ السعودية على أنه محاولة لوقف تقدّم قوّات الحكومة اليمنية على الجبهات، فضلًا عن كونه رسالة تحذير لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من توجيه ضربات جديدة واسعة النطاق ضدّ إيران.
أفادت المديرية العامة للدفاع المدني السعودي بتضرّر روضة أطفال ومجمّع طبي في الرياض من جرّاء سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض صاروخ، بعدما أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا مطار الملك خالد في العاصمة، ما أسفر عن تعطيل رحلات جوّية والطلب من بعض موظفي المكاتب العمل من منازلهم. وأشارت ثلاثة مصادر مطّلعة لوكالة "رويترز" إلى أن طائرة تابعة للخطوط الجوّية السعودية تعرّضت لأضرار بالغة فيما كانت متوقّفة في مطار الرياض. لاحقًا، أعلن الحوثيون استهداف مطار الرياض مرّة أخرى ومطار نجران وقاعدة جوّية في خميس مشيط. ويأتي ذلك بعد يوم من تسبّب هجمات حوثية بمقتل مواطن مصري وآخر جزائري في مطار أبها، ومقتل مواطن سوداني في مطار الرياض. ونبّه الحوثيون العاملين في المنشآت النفطية السعودية إلى ضرورة إخلائها، بعدما كانوا قد استهدفوا قبل أيام مصفاة رئيسية في جنوب العاصمة.
غير أن الإرهاب الحوثي لم يثنِ الرياض عن مواصلة دعمها للقوّات اليمنية الشرعية وتكثيفه، بينما تعمل السعودية في الوقت عينه على تحصين أمنها من خلال حلف مكة الدفاعي، بعدما كانت الرياض وإسلام آباد وأنقرة قد اتفقت على التحرّك الفوري من أجل تنفيذ التزاماتها الدفاعية الجماعية وضمان "النشر السريع" للقوّات والقدرات العسكرية في السعودية هذا الأسبوع. وأوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تُقيّم سبل الإسهام في معاونة السعودية على التصدّي لهجمات الحوثيين، ولا سيّما في مجال الدفاعات الجوّية والحرب الإلكترونية والدعم الفني، بينما استبعد مشاركة تركيا في عمليات هجومية. وكشفت مصادر في باكستان لـ "رويترز" أن إسلام آباد نقلت معدّات عسكرية جوًّا إلى عدن في جنوب اليمن لتقديم الدعم في المعركة ضدّ الحوثيين، ونشرت قوّات داخل السعودية للمساعدة في حماية حدودها.
كذلك، تدرس فرنسا والسعودية خيارات عدّة لحماية ميناء ينبع النفطي بعد تعرّضه لهجوم، من بينها استخدام أصول عسكرية فرنسية، وفق ما أعلن رئيس أركان القوّات المسلّحة الفرنسية، الجنرال فابيان ماندون. وأوضح ماندون أن المشاورات مع الرياض لا تزال في مرحلة الدراسة، مشدّدًا على أهمية الميناء لتجارة الهيدروكربونات. وأشار إلى أن بلاده نشرت بالفعل نحو 2000 جندي في المنطقة للمساعدة في حماية حلفائها في الخليج، ومنهم قطر والكويت. وبعد تقارير عن أن دمشق تدرس بعناية تقديم مساعدة عسكرية للسعودية، أوضح دبلوماسي سوري لـ "رويترز" أن بلاده تقف بقوّة إلى جانب السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، لكن تركيز الحكومة ينصبّ في المقام الأوّل على الأولويات الداخلية. وفي حين قال مسؤول أميركي إن الرياض طلبت من سوريا نشر قوّات لمحاربة الحوثيين، نفى المستشار الإعلامي للرئاسة السورية أحمد موفق زيدان هذا الأمر.
وبعدما أفادت تقارير صحافية عدّة بأن ترامب يدرس توجيه ضربة عسكرية واسعة النطاق إلى النظام الإيراني قبل الانتخابات النصفية الأميركية، أوضح ترامب أن بلاده تجري "محادثات مثمرة" مع طهران، جازمًا بأنه لن يهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، فيما فرضت الخزانة الأميركية عقوبات جديدة مرتبطة بإيران تستهدف أشخاصًا وكيانات و17 ناقلة. بالطبع، لا يُمكن الاتكال على تصريح ترامب لاستبعاد احتمال عودة العمليات العسكرية الكبرى ضدّ النظام الإيراني قبل الانتخابات، إذ قد يكون يعتمد أسلوب المراوغة والتضليل. غير أن الكثير من الخبراء يقدّرون أن ترامب لن يتّخذ قرارًا بشنّ عملية عسكرية كبرى قبل الانتخابات خوفًا من التسبّب بمزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة، وتاليًا التأثير على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات.
توازيًا، ما زالت محاولات إعادة إطلاق مسار المفاوضات بين أميركا وإيران تراوح مكانها. وتعود حال الجمود التي أصابت المفاوضات إلى تعنّت النظام الإيراني وتمسّكه بمواقفه التعجيزية حول مضيق هرمز والملف النووي. في هذا السياق، تعهّد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي بأن طهران لن تتخلّى عن "حقّها" في تخصيب اليورانيوم، ولن تسلّم اليورانيوم المخصّب الذي بحوزتها، بينما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده قدّمت مقترحًا تحت عنوان خطة الأيام السبعة، واستمعت إلى وجهات نظر الجانب الأميركي بشأنها، وهي في صدد دراستها وستقدّم ردّها خلال الأيام القليلة المقبلة. وفي وقت تراجعت فيه قدرة "الحرس الثوري" على عرقلة الملاحة في هرمز، قدّمت القيادة المركزية الأميركية إحاطةً لشركاء الشحن البحري الدوليين بشأن المضيق خلال مناقشة افتراضية. وسلّط قادة القطاع الضوء على الزخم المتزايد في الجهود الرامية إلى ضمان حرّية الملاحة، مع ارتفاع حركة السفن التجارية.
وفي إطار محاولة طهران نقل مواجهتها مع واشنطن إلى دول غربية من خلال خلاياها الإرهابية، كشفت مجلّة "فيرتشافتسفوخه" الألمانية أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية تستهدف قواعد عسكرية أميركية في ألمانيا، بينها قاعدتا رامشتاين وسبانغدالم، موضحة أن إسرائيل حذّرت شركاءها في أميركا وألمانيا قبل ثلاثة أسابيع من تهديد محتمل.