يبدو أننا وصلنا في هذا البلد إلى مرحلة بات علينا فيها أن نشكّ حتى في اتجاه السير. تسير في مسارك، تحترم الإشارة، وتلتزم بالقانون، ثم تفاجأ بدراجة نارية تندفع نحوك بعكس الاتجاه، وكأنك أنت من دخل طريقها بالخطأ. فهل أصبح احترام القانون في لبنان مشكلة، فيما باتت مخالفته حقًا مكتسبًا لا يجرؤ أحد على المساس به؟
في طرابلس ومختلف مناطق الشمال، من عكّار إلى الكورة والبترون، لم تعد الدراجات النارية التي تعاكس السير وتتسلّل بين السيارات وتتجاوز الإشارات الحمراء مشهدًا استثنائيًا. إنها فوضى يواجهها الناس يوميًا، ويدفعون ثمنها من أعصابهم وسلامتهم، فيما بات عبور الشارع أو قيادة السيارة يحتاجان إلى يقظة مضاعفة، لا بسبب كثافة السير وحدها، بل بسبب من قرّروا أن الطريق ملكهم، وأن القانون مجرّد اقتراح.
الناس سئمت. سئم المواطن أن يضغط على المكابح تفاديًا لمتهوّر، وأن يغيّر مساره كي ينجو من دراجة آتية في الاتجاه المعاكس، وأن يخشى على أولاده كلما عبروا الشارع. والأكثر استفزازًا أن يصبح الالتزام بالقانون عبئًا على الملتزم، فيما يتحرّك المخالف بثقة من يعرف أن احتمال محاسبته ضئيل. أيّ منطق هذا الذي يجعل من يحترم القانون مضطرًا إلى تصحيح أخطاء من يضربون به عرض الحائط؟
خدمات "التسهيلات" تزيد الواقع صعوبة:
وتزداد الصورة تعقيدًا مع انتشار دراجات التوصيل. لا أحد يعترض على خدمة يحتاج إليها الناس، ولا على عامل يسعى إلى رزقه، لكن لا أحد يملك أيضًا حق تحويل الطريق إلى حلبة سباق بحجّة إيصال الطلب بسرعة. فالوجبة التي تتأخر دقائق لا تساوي حياة إنسان، والطلب الذي يصل ساخنًا لا يبرّر أن يصل مواطن آخر إلى المستشفى.
هنا تقع على شركات التوصيل مسؤولية لا يجوز تجاهلها. المطلوب ليس الاكتفاء بوضع شعار الشركة على الخوذة، بل التأكد من أن السائق يحترم قواعد السير، ومتابعة الشكاوى، ومحاسبة من يكرّر المخالفات، واتخاذ إجراءات بحق من يعرّض حياة الآخرين للخطر. فالخوذة قد تحمي رأس السائق، لكنها لا تحمي الناس من تهوّره، والشعار لا يمنح حصانة من القانون.
لكن ماذا لو وقع الحادث؟ ماذا لو اصطدمت سيارة بدراجة تسير بعكس الاتجاه، أو أُصيب أحد المارّة، ثم فرّ السائق؟ إلى من يلجأ المتضرر، وكيف يحدّد هوية السائق والشركة التي يعمل معها؟ ومن يتحمّل الأضرار والتعويضات؟ هذه ليست أسئلة نظرية، بل مخاوف مشروعة لكل من يستخدم الطريق. والمطلوب آلية واضحة تتيح متابعة الشكوى وتحديد المسؤوليات، مع توضيح دور شركات التوصيل والتأمين، بدلا من ترك المتضرر وحيدًا في مواجهة الخسارة والمراجعات.
أما الدولة، فحدّث ولا حرج. أين الرقابة الفعلية؟ وأين الإجراءات التي تضع حدًا للدراجات التي تعاكس السير وتتجاوز الإشارات؟ لا تكفي حملة أمنية عابرة، ولا يكفي حجز بعض الدراجات إذا عادت المخالفات إلى الشوارع بعد أيام. المطلوب تطبيق يومي للقانون، ومحاسبة لا تتوقف عند حاجز أمني ولا تتبدّل بحسب هوية المخالف أو طبيعة عمله.
وتبقى قضية الدراجات المصادرة وإعادة طرح بعضها في المزادات العلنية وعودتها إلى السوق موضع تساؤل أيضًا. فما يُتداول عن قصّ هياكل بعض الدراجات وإعادة تلحيمها أو تعديلها يستدعي توضيحًا رسميًا بشأن الفحوص الفنية التي تخضع لها قبل إعادة بيعها، والجهة التي تضمن سلامتها. فمصادرة الدراجة لا تحقق غايتها إذا عادت إلى الطريق من دون التأكد من مطابقتها لشروط السلامة. المشكلة ليست في الدراجات النارية، بل في الفوضى التي تُركت تتضخّم، وفي ثقافة تعتبر المخالفة شطارة، والالتزام بالقانون سذاجة. وحين يصبح المواطن مضطرًا إلى توقّع الخطر من كل اتجاه، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في سلوك سائق واحد، بل في رقابة غائبة ومحاسبة لا تردع.
في لبنان، لم يعد السؤال كيف تصل إلى وجهتك، بل كيف تصل إليها من دون أن يصدمك أحد يسير بعكس الاتجاه!