د. رندة طباع

آية الروح وآيات الكتب المنسيّة

دقيقتان للقراءة
الكتابة ليست حبرًا بل محاولةٌ يمنح بها الإنسان صوته شكلا (صورة AI)

الكلمات انسكاب الروح والفكر على الورق؛ وكل جملة آيةٌ تمجّد الخالق، لأنها تكشف شيئًا من أحاسيس مخلوقه وعقله. فنحن خُلقنا على صورته، وتدفّقت أرواحنا من ينابيع رحمته. وقد لا تُكتب هذه الآيات على الصفحات وحدها؛ فقد تُنقش في الصخر أو تختبئ في أعماق اللاوعي، تنتظر من يصغي إليها.

منهم من دوّنوا مكنونات أرواحهم، فخلّدتهم الكتب وردّدت أسماءهم الأفواه. ومنهم من كتبوا وأبدعوا، لكن كلماتهم غابت في زوايا النسيان، كأن الثرى أسدل عليها ستارًا لا يُرفع. فهل نُسوا لأن الحياة همّشت عظمتهم، أم لأن الخلود الأرضي، مهما طال، لا يساوي شيئًا أمام خلود الروح؟ وأيكون الكتاب منسيًا حقًا إذا بقيت فيه حياة كاتبه، ولو لم تقع عليه عين قارئ؟

وثمّة أرواح لم تجد طريقها إلى الورق؛ كتم أصحابها مواهبهم الجميلة، وأخفوا في داخلهم روحًا ثائرة أو ظمأى إلى الحب والحياة. ورسموا على وجوههم شخصيات مستعارة، احتموا بها من قسوة زمنهم وانكساراته، فسمع الوجود أسماءهم، بينما بقيت أرواحهم الجريحة حبيسة الجسد، تنتظر حريةً طال اشتياقها وابتهالها.

فالكتابة ليست حبرًا، بل محاولةٌ يمنح بها الإنسان صوته شكلا، ويترك من عبوره أثرًا يتجاوز أيامه. تُطوى المخطوطات، وتُنسى العناوين، لكن صدق التجربة يظلّ نافذةً مفتوحةً على روح صاحبها؛ وربما يأتي يومٌ يعثر فيه غريبٌ على تلك النافذة، فيرى نفسه بين السطور، ويمنحها حياة.

لعلّ في كل إنسان كتابًا لم يُكتب بعد، وصفحات مطوية لا يراها أحد. وربما كانت كلمة صادقة أو نظرة رحيمة هي المفتاح الذي يحرّر تلك الآيات من عتمتها. فليست كل الكتب المنسية بلا قيمة؛ بعضها ينتظر قارئًا يأتي متأخرًا، وبعضها لا يحتاج إلى جمهور، بل إلى قلب يفهمه.

وحين تُفتح تلك الصفحات، لا يعود النسيان حكمًا نهائيًا؛ إذ تنهض الكلمات من صمتها، وتخبرنا أن الروح لا تموت حين يغيب اسمها، وأن آياتها قد تبقى حيّة في قلب واحد. عندها يصبح الكتاب المنسي شاهدًا على إنسان لم يُنصفه عصره، لكنه ترك في الورق نبضًا لا يزول.