جو رحال

لبنان على خريطة IMEC

3 دقائق للقراءة

لم يعد موقع لبنان في شرق المتوسط مجرد حقيقة جغرافية، بل أصبح فرصة استراتيجية لاستعادة دوره في الاقتصاد الإقليمي والدولي. ففي وقت تتسابق فيه الدول لحجز مواقعها على خرائط التجارة الجديدة، سجّل لبنان خطوة نوعية بانضمام مرفأي بيروت وطرابلس، في السادس من تشرين الأول 2026، إلى "نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC)، في تطور يفتح أمامه نافذة للانتقال من هامش التحولات الاقتصادية إلى المشاركة في رسم مستقبلها.

أُطلق مشروع IMEC خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، بمشاركة الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي. ويهدف إلى إنشاء شبكة متكاملة للنقل البحري والسكك الحديدية، والربط الكهربائي والاتصالات الرقمية، بما يعزز المبادلات بين آسيا والخليج وأوروبا. ويتجاوز المشروع مفهوم الممر التجاري التقليدي ليصبح إحدى أدوات إعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي، في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على سلاسل الإمداد وممرات الطاقة والتكنولوجيا.

لم يكن لبنان ضمن الأطراف المؤسسة، لكن التحرك الدبلوماسي الذي قاده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام ومتابعة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، ساهم في فتح باب المشاركة. وشكّلت زيارة المبعوث الفرنسي الخاص للمشروع جيرار ميستراليه إلى بيروت في شباط الماضي، ثم تعزيز التعاون بين مرفأي بيروت ومرسيليا، محطات أساسية في هذا المسار. ولذلك، لم يكن اعتبار الرئيس عون الانضمام "إنجازًا مؤسسيًا مهمًا للبنان" مجرد توصيف احتفالي، بل تعبيرًا عن رؤية تسعى إلى تحويل الدبلوماسية إلى فرص اقتصادية ملموسة.

وتكمن أهمية الخطوة في إعادة تقديم مرفأ بيروت بوصفه مركزًا محتملا للخدمات اللوجستية والتجارة المتوسطية، ومرفأ طرابلس بوصفه بوابة واعدة للأسواق السورية والعراقية والمشرق العربي. ومع تطور البنى التحتية والروابط البرية، يمكن للبنان أن يستقطب استثمارات في النقل والتخزين والخدمات الرقمية والطاقة، وأن يخلق فرص عمل ويعزز قدرته التنافسية.

غير أن الواقعية تفرض التمييز بين الانضمام إلى نادي الموانئ والدخول الفعلي في المسار التنفيذي للممر. فالتصور الأصلي للمشروع يمر عبر السعودية والأردن وصولا إلى إسرائيل ومنها إلى أوروبا، ما يطرح تحديات سياسية وجغرافية أمام لبنان. أما الربط البديل عبر سوريا والأردن، فيبقى احتمالا يحتاج إلى دراسات جدوى واتفاقات إقليمية وتمويل واستقرار أمني، ولا يمكن اعتباره مسارًا مقررًا.

كذلك، فإن النجاح لا يتحقق بالموقع الجغرافي وحده، بل بإصلاح الجمارك، وتحديث المرافئ والطرق والسكك الحديدية، واعتماد الرقمنة والشفافية، وتأمين بيئة مستقرة للاستثمار. والأهم تثبيت سلطة الدولة وسيادتها، لأن الممرات الاقتصادية تحتاج إلى ضمانات أمنية ومؤسسات موثوقة بقدر حاجتها إلى البنية التحتية.

لقد أعادت خطوة نيودلهي لبنان إلى طاولة النقاش حول مستقبل التجارة الإقليمية، لكنها لم تضمن له بعد موقعًا نهائيًا على خريطة الممر. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للعهد والحكومة: الانتقال من الاعتراف بأهمية لبنان إلى إثبات جدوى الاستثمار فيه. فالدول لا تستعيد أدوارها لأنها تقع على تقاطع الطرق، بل لأنها تمتلك الدولة القادرة على تحويل موقعها إلى قوة اقتصادية وسياسية. والفرصة اليوم ليست مجرد الانضمام إلى IMEC، بل إعادة لبنان إلى قلب المعادلة الاقتصادية التي يتشكل على أساسها الشرق الأوسط الجديد.