مضت الشاعرة والفنانة التشكيلية باسمة بطولي (1935-2026)، أول من أمس السبت، إلى حيث اللون الأبيض والضوء البعيد، هي التي ملأت دنيا الرسم والشعر بلوحات بمئة لون ولون، وقصائد بألف معنى وشعور.
"كنتُ أتمنّى أن تكون لي مكانة أخرى في هذا الوطن. لكنّ الناس في هذه الأيام لا يهتمون كثيرًا بالقراءة". كلام قالته الراحلة ذات مقابلة مع "نداء الوطن" (21-12-2020). وربما يردّد كلامها ذاك كثيرون وكثيرات من أبناء جلدتها، ولا سيّما أهل الكلمة والثقافة. لكنها، خلافًا لكثيرين من هؤلاء، حظيت بتقدير نخب من أهل الريشة والقلم. فيها قال سعيد عقل: "ليس أجمل من رسومها إلا شعرها، وليس أجمل من شعرها إلا رسومها". وقال فيها أيضًا: "أنتِ أهم شاعر وشاعرة"، وكأنه كان يراها "الأفضل بالمطلق، فأعطاني الصفة المطلقة في الشعر والرسم"، على ما فسّرت هي مقولته.
الحاصلة على شهادتَين في الأدب العربي والصحافة، والعاملة في الإدارة التربوية والثقافة، تذوّقت الكلمة وأحسّت باللون من والدَين هما الكاتب توفيق الباطولي والرسامة ليندا قازان. فرسمت للمرة الأولى بعد العاشرة بقليل، ثم نظمت الشعر بالعامية اللبنانية والفرنسية، قبل أن تكتشف جمالية الفصحى.
ألوان وكلمات
بعد صقل الموهبة وتدعيم الهواية، برزت باسمة بطولي رسامةً وشاعرةً محترفة، تمزج قصيدتها بالألوان وتخلط اللون بالكلمات، فتركت مئات اللوحات المائية والزيتية، وقصائد شعرية طُبع بعضها في دواوين، ونُشر بعضها الآخر في الصحف والمجلات وعبر وسائل الإعلام. وفي السنوات الأخيرة، سجّلت بعض قصائدها بصوتها ونشرتها عبر وسائل التواصل الحديثة.
في سنوات الصبا، "أُصبتُ بزواج ما (من الراحل جوزيف كريستو)، ما لبثتُ أن شُفيتُ منه بمساعدة ابني باسم"، كانت تقول باسمة. ووحيدها أضحى المخرج التلفزيوني المعروف باسم كريستو.
شاركت الراحلة باسمة بطولي في ندوات وأمسيات ومهرجانات شعرية عدة، محلية وعربية، وكانت دائمًا واسطة العقد بين المشاركين فيها، حيث قدّمت القصيدة العمودية الكلاسيكية الموزونة والمقفّاة، كما كتبت شعر التفعيلة.
أما لوحاتها، فشاهدها الجمهور في معارض فردية وجماعية في لبنان والخارج، وزيّنت رسوماتها أغلفة كتبها وصفحاتها الداخلية.
جاء عنوان ديوانها الأول "مع الحب حتى الموت" (1978) ردّة فعل على عبارة "مع فلان حتى الموت"، التي كانت تنتشر على جدران الشوارع والمباني زمن الحرب. ثم صدر لها: "مكلّلة بالشوق" (1996)، و "عربات الصدى" (2009)، و "حين ترتدي النار عريها" (2012)، و "أصداء بصرية" (2013)، و "سلالي ومياه الوقت" (2016)، و "على مقام الصِّبا والصَّبا" (2017)، و "شبّاكي الوجيع" (2022)، و "نقشٌ على الريح" (2024).
كلاسيكية القلم والريشة
"باسمة بطولي في الشعر قمّةُ بهاء ونقاء، وفي الرسم قمر يشعّ بالصفاء". هكذا يختصرها الشاعر هنري زغيب في حديثه عنها مع "نداء الوطن". ويؤكد أنّ ميزتها تكمن في "تمسُّكها الثابت، شعرًا ورسمًا، بالأصول، لم تخرج عنها في قصيدة ولا في لوحة. كانت دائمة الإيمان بأنّ التجديد يتم من داخل القواعد لا بالخروج عليها".
ويرى زغيب أنّ صديقته، التي عرفها قبل نصف قرن (1976)، "بقيت كلاسيكيةً بقلمها وريشتها، فتركت أعمالا ستبقى في سجلّ الشعر والرسم خالدةً بكلاسيكيتها الأنيقة. والكلاسيكية في جوهرها أناقة. لم تساوم على هذا الجوهر، وبقيت قصيدتها منحوتة بأبهى جماليات اللغة والعروض والقافية الهدباء، كما بقيت لوحتها مكتوبة بأسلوبها العريق في مزاوجة الخطوط والألوان، حتى ليُمكن اعتبارها من أركان الرعيل المبارك الذي تشبّث بالأصول فأمَّن البقاء الدائم".
باسمة بطولي، التي نعتها وزارة الثقافة ونقيب المحررين جوزيف القصيفي والدائرة الثقافية في "القوات اللبنانية"، لم يبقَ شعرها كلماتٍ على ورق، بل لبس نغمًا وصار أغنيات، منها ما غنّته ماجدة الرومي، "تراب الجنوب"، وما أدّاه غبريال عبد النور: "شعوب الأرض" و "إمي التانية" و "هالجندي البطل" و "مارد العصر" و "دمع الحجر" و "بتوجعني بيروت"، وسواها.
تكريمات
حظيت بطولي بالعديد من التكريمات، من بينها تكريم من "مؤسسة ناجي نعمان للثقافة"، و "جائزة الأديب جان سالمة"، و "وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط" عام 2022.
كما صدر حول تجربتها الشعرية بحث للدكتورة جنان بلوط بعنوان "جماليات التشكيل الفني في شعر باسمة بطولي"، وبحث آخر للدكتورة غادة السمروط بعنوان "الفناء والبقاء في أعمال باسمة بطولي الفنية والشعرية".
وفي الشهر الماضي، كان شعر باسمة بطولي حاضرًا، مترجمًا إلى اليونانية، خلال أمسية قدّمها التينور غبريال عبد النور بعنوان "أصداء المتوسط"، على "مسرح قصر الموسيقى" في أثينا، بدعوة من "الجامعة الثقافية اليونانية اللبنانية". وكانت بطولي مكرّمة إلى جانب جبران خليل جبران وأوديساس إليتيس وميكيس ثيودوراكيس وكيكي ديمولا.
وكادت باسمة بطولي تتوَّج "أميرة شاعرات العرب"، بمبادرة من "صالون العشرين" ومؤسِّسه الشاعر أسعد جوان، الذي كشف قبل أشهر عن تصويت شاركت فيه شاعرات وشعراء من لبنان والعالم العربي، تجاوز عددهم المئتين، ونالت بموجبه باسمة بطولي "لقب الإمارة" بنسبة 70% من الأصوات. لكن الوضع الصحي للشاعرة حال دون الاحتفاء بها ومنحها تاج الإمارة وصولجانها في احتفال كان يُعَدّ لهذه الغاية. وكان أن رحلت، فخسرت الشاعرات أميرتهنّ، وسكن الفراغ العرش.




شُيِّعت باسمة بطولي أمس الأحد في كنيسة السيدة الحبشية في غزير، وتُقبل التعازي اليوم الإثنين 11-10-2026، من الساعة الثانية بعد الظهر إلى السادسة مساءً، في صالون الكنيسة.