كيفما سرّح المرء نظره في المشهد اللبناني، رأى مشاكل متراكمة، من دون أفق لحلّ أيّ منها.
فكّر في انقطاع الكهرباء. لسنا شعبًا تعداده عشرات الملايين، ولا نحن بلد شاسع المساحة. مقدار الطاقة التي نحتاج ليس خرافيّا، وكان يُفترض أن تُحلّ هذه المسألة بعد انتهاء الحرب الأهليّة عام 1990. لكنّ ذلك لم يحصل. اعتكاف وزير الطاقة جو صدّي مؤشّر إلى استعصاء الحلّ، مهما حاول.
توسيع أوتوستراد جونية؟ الكلام عنه مستمرّ منذ عقدين على الأقلّ. رُصدت له قروض، ثمّ تبخّرت. هل صحيح كما يشاع أنّ الأيادي الماهرة لنبيه برّي أدّت دورًا في عرقلة المشروع؟ لا أعلم، وإن كان برّي، بطبيعة الحال، ليس فوق الشبهات. في مطلق الأحوال، لا يبدو أنّ الحلّ بات قريبًا، مع أنّ استمرار هذه الأزمة يعني عمليًّا قطع التواصل بين منطقة تمتدّ من أقصى شمال لبنان إلى جونية، من جهة، ومركز الثقل الاقتصادي والتربوي والاستشفائي في بيروت، من جهة أخرى، بفعل المصيدة المروريّة على طريق جونية.
وإذا كان هذا هو حالنا مع مسائل يُفترض أنّها تقنيّة، فلا غرابة في أن يتكرّر الفشل نفسه في القضايا الكبرى. أكتب هذه الكلمات فيما يتداول الإعلام خبر توقيف عنصرين من الميليشيا الشيعيّة، كانا يحاولان تهريب خمسمئة كيلوغرام من المواد شديدة التفجير إليها. إذا كانت التجارب السابقة دليلا، فلن يطول الوقت قبل أن يعودا إلى الحرّيّة. وإذا كانت القوى الأمنيّة قد ضبطت هذه الشحنة، فلا مفرّ من التساؤل: كم شحنة أخرى عبرت من دون أن يعترضها أحد، ووصلت سليمة إلى أصحابها، بانتظار استخدامها، كما اعتادوا استخدامها، في سبيل أخطر مشروع إلغائي متطرّف عرفته الجمهوريّة اللبنانيّة منذ كانت؟
نعلم أيضًا أنّ تدخّل إيران في شؤوننا على حاله. صورة المسؤول العسكري الإيراني حسين يكتا الذي توضّأ قبل أيّام قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان في منطقة يفترض أنّها خاضعة للجيش اللبناني الباسل، صفعة للسلطات اللبنانيّة. لم تردّ هذه السلطات، طبعًا، لأنّها اعتادت هذا النوع من الاحتقار. ومن نافل القول إنّ سلطة لا تستطيع منع مسؤول عسكري إيراني من الظهور علنًا في لبنان، ولا تنفيذ قرار طرد السفير الإيراني، لن تتمكّن حتّى من الاعتراض على إرسال إيران مئتي مليون دولار إلى الميليشيا الشيعيّة، إذا صحّت الأرقام التي جرى تداولها أخيرًا.
والحال أنّ حياة الإنسان في لبنان هدرٌ للعمر، ما دام لا شيء في هذا البلد يتقدّم. خلّصنا الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 من ياسر عرفات وزبانيته، فإذا بنا، بعد سقوط اتفاق 17 أيّار، نقع في قبضة حافظ الأسد وجلاوزته. ثمّ اندحر الاحتلال السوري عام 2005، ليبدأ بعد ذلك مباشرة كابوس حكم حسن نصرالله. واليوم، إذا كانت أوضاع الميليشيا الشيعيّة ليست على ما يرام، فإنّ جبن العهد الحالي وتقاعسه عن الحسم يعنيان أنّنا عالقون في الدوّامة نفسها، هي دوّامة الفشل والاجترار واللامعنى الساكن بصميم حياتنا الوطنيّة.
عجبي ممّن لا يزال، حتّى الساعة، مقتنعًا بأنّ هذا البلد كان فكرة جيّدة منذ نشأته، أو بأنّ نظامه السياسي يلائم حاجاته. وعجبي أكثر ممّن لا تزال تسكنه الحماسة لزعيم، أو ممّن لا يزال قادرًا على متابعة مؤتمر صحافي واحد لسياسي لبناني. أمّا أنا، فقد انعدمت قدرتي على تحمّل أصواتهم، دع عنك الحماسة لأيّ منهم، منذ سنوات طويلة.