عيسى يحيى

بين النصوص وجرّارات الميدان: عودة قطار إتلاف الحشيشة إلى البقاع

3 دقائق للقراءة
مداهمات وإتلاف نبتة الحشيشة في البقاع

عاد ملف زراعة حشيشة الكيف إلى المواجهة الميدانية مجددًا، حاملا معه التناقض المستمر بين واقع أمني يفرضه القانون الحالي، وإطار تشريعي معلق منذ سنوات. ففي خطوة تعيد إلى الأذهان حملات الإتلاف الواسعة التي غابت لفترات طويلة، نفذ الجيش اللبناني مداهمة نوعية أعادت خلط الأوراق في مناطق الزراعة التاريخية في البقاع.

نفذت وحدة من الجيش اللبناني أمس، عملية مداهمة واسعة في بلدة الكنَيْسة قضاء بعلبك، أسفرت عن إتلاف مساحة ضخمة مزروعة بحشيشة الكيف، تقدر بأكثر من 60 دونمًا. ولم تقتصر المداهمة على إتلاف المحصول، بل شملت توقيف 17 عاملا من الجنسية السورية تواجدوا في المزرعة للعمل من دون حيازة أوراق قانونية، كما تم ضبط كامل المعدات والآلآت المستخدمة، وتم إحالة الموقوفين والمضبوطات إلى القضاء المختص لاستكمال الإجراءات القانونية.

فتحت حادثة الكنيْسة الباب واسعًا أمام المفارقة الكبرى التي يعيشها لبنان منذ العام 2020، حين أقر مجلس النواب القانون رقم 178\2020 الرامي إلى شرعنة وتنظيم زراعة القنب الهندي لاستخدامات طبية وصناعية. هذا القانون الذي صُنّف حينها كطوق نجاة اقتصادي قد يدر مليار دولار سنويًا على لبنان، لا يزال عاجزًا عن حماية شتلة واحدة في البقاع. والسبب في ذلك يعود إلى غياب المراسيم التطبيقية التي اشترطها القانون لمنح التراخيص الرسمية، رغم ولادة الهيئة الناظمة. وعليه يجد المزارع البقاعي نفسه عالقًا تحت مقصلة قانون المخدرات القديم رقم 673\1998 الذي يتعامل مع الزراعة كمحصول غير شرعي يستوجب الإتلاف والملاحقة القضائية، بغض النظر عن النوايا التشريعية الحديثة.

يرتبط تاريخ البقاع اللبناني بزراعة القنب الهندي ارتباطًا عضويًا تجاوز المفهوم الجنائي للاتجار بالمخدرات، فعلى مدى عقود شكلت هذه النبتة القاسية المقاومة للجفاف والتي لا تحتاج إلى أسمدة مكلفة، الاقتصاد البديل لعشرات الآلاف من العائلات في منطقة أسقطتها الدولة من حسابات الإنماء المتوازن. ومع الانهيار المالي التاريخي في لبنان منذ العام 2019، غابت عمليات الإتلاف حيث شكلت عبئًا لوجستيًا هائلا على الأجهزة الأمنية. فالمداهمات تتطلب ميزانيات ضخمة ومئات العناصر، واستئجار آليات وجرارات، وهي كلفة لم تعد ميزانية الدولة قادرة على تحملها.

هذا الغياب لعمليات الإتلاف، إضافةً إلى إقرار قانون التشريع عام 2020، أدخل بعلبك الهرمل في مرحلة تجميد ميداني لعمليات الإتلاف بحكم الأمر الواقع، واعتقد المزارعون وبعض القادة والسياسيين أن الدولة دخلت مرحلة الانتقال نحو الشرعنة، وأن مسألة تشكيل الهيئة الناظمة التي لا تزال ناقصة، ستكون باب قوننة الزراعة والمحاصيل بدلا من إبادتها.

وعليه شكلت مداهمة الكنيسة المفاجأة الكبرى، ليس من باب الزمان والمكان، بل في كونها كسرت هدنة صامتة غير معلنة بين السلطة والمزارعين في البقاع استمرت لسنوات، وأتت لتنهي هذا الاستقرار الهش، وتطرح علامات استفهام مقلقة: هل اتخذت الدولة القرار بإنهاء الهدنة من دون إيجاد وتقديم البديل؟ وأي رسالة توجهها للبقاعيين عندما توقظ جراراتها فجأة؟

وفي غياب المراسيم التطبيقية التي تمنح الصلاحية الفعلية لتنظيم المساحات وإصدار التراخيص، ورغم تشكيل الهيئة الناظمة، والإبقاء على تعيين مدير عام لها بانتظار سلة تفاهمات، سنكشف في المقال الثاني عن المعركة خلف جدران الهيئة الناظمة، وصراع البذرة المحلية المستهدفة مقابل الشركات المستوردة.