أمجد اسكندر

لا تنتظروا انفجار المتفجّرات لتتحرّكوا

3 دقائق للقراءة

حتى كتابة هذه السطور، لم يصدر أي بيان يدعو إلى اجتماع طارئ للحكومة أو للمجلس الأعلى للدفاع، كأنّ تهريب ما يقارب طنًّا من المتفجّرات في أقلّ من عشرة أيام ليس إنذارًا أمنيًا يستوجب استنفار الدولة بكلّ أجهزتها، بل حادثة عابرة يمكن تركها في عهدة التحقيقات الأمنية والقضائية. أطنان من الخطر تتنقّل في الظلّ، وعبوات ناسفة تلوح في الأفق، وتعيد إلى الذاكرة حقبة الاغتيالات والترويع التي أعقبت اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، حين تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للقتل، وأودت بحياة عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية.

ما حصل قضية سياسية وأمنية تمسّ جوهر الدولة. والواضح، في قضية "متفجّرات ضهر البيدر" على الأقلّ، أنّ "حزب الله" هو "الآمر الناهي"، أو أنّ الشبهات والقرائن المتداولة تفرض على التحقيق أن يبلغ مداه، بلا خطوط حمراء ولا محظيّين. فهل تصل التحقيقات إلى استدعاء الشيخ نعيم قاسم، بصفته رئيس هذه المنظمة الخارجة عن القانون؟

ما كان يُدبَّر يوجب على الدولة استعادة المبادرة وتعويض تأخّرها بإجراءات استباقية واضحة: استكمال التحقيقات، وتفكيك شبكات التهريب، وتحديد المسؤوليات، وملاحقة المتورّطين، ووضع قراراتها موضع التنفيذ.

وفي كلّ الأحوال، حسمت هذه المتفجّرات ضرورة الفصل بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، بل عزّزت المواقف الدولية التي تطالب بنزع السلاح شرطًا للانسحاب الإسرائيلي.

لقد رسمت أحداث الأيام الأولى من تشرين الأول الجاري صورة لبنانين يتعايشان على أرض واحدة، لكنّهما ينتميان إلى مشروعين متناقضين. ففي Beirut Media Zone، أُقيم احتفال إطلاق فيلم "شربل"، في مناسبة أرادها ميشال المر تكريسًا روحيًا ووطنيًا لما يمكن تسميته "جمهورية إعلامية": ثلاث محطات تلفزيونية، وإذاعتان، وجريدة "نداء الوطن"، وشركة إنتاج، ومنصّات رقمية رائدة، بينها MTV وThe Beiruter.

وفي اليوم نفسه، الجمعة الفائت، افتُتح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، بما يمثّله من إرث ثقافي ومساحة حوار وتعدّد. غير أنّ هذا "اللبنان" يعيش تحت تهديد لا يمكن الاستخفاف به؛ فحين تصبح المتفجّرات جزءًا من مشهد سياسي وأمني ملتبس، لا يعود استهداف الشخصيات أو الأبرياء أو المناسبات العامة احتمالًا يمكن استبعاده من الحسابات الأمنية.

أليست "جمهورية ميشال المر" حليفةً لما يسمّيه الحزب "الاستكبار الأميركي"؟ أليس معرض الكتاب، بما يمثّله من انفتاح وتعدّد، نقيضًا لمشروع يريد إخضاع لبنان لمحور إيران؟ لقد غابت عن أحد أجنحة المعرض الصورة العملاقة لقاسم سليماني، التي تصدّرت المشهد عام 2022، لكنّ غياب الصورة لا يعني بالضرورة غياب المشروع الذي كانت ترمز إليه.

إنّ التعايش بين لبنانين لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية. وليس المطلوب أن ينتصر اللبنانيون بعضهم على بعض، بل أن تنتصر الدولة على ازدواجية السلطة. فالمواجهة الحقيقية ليست بين اللبنانيين، بل بين دولة يُفترض أن تحمي الجميع وسلاح يفرض نفسه عليها.

مسار التباطؤ الرسمي يقترب، يومًا بعد يوم، من تكريس الاستسلام للأمر الواقع. والخطر أنّ كلّ تأخير يمنح أصحاب السلاح وقتًا إضافيًا، فيما يُترك اللبنانيون لمصير أسود. لا تنتظروا انفجار المتفجّرات كي تتحرّكوا، ولا تنتظروا سقوط الضحايا كي تستعيدوا المبادرة. قرارات الحكومة ليست توصيات قابلة للأخذ والردّ. وحدها المبادرة قبل الكارثة، والتنفيذ بدل التردّد، والقرار بدل المساومة، يمكن أن تجعل لبنان على طريق استرداد معناه الحضاري ودوره في المنطقة.