تجدّد التوتّر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال الأيام القليلة الماضية، بعدما أعلن ترامب التوصّل إلى اتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين يسمح بضخّ كميات كبيرة من الديزل الروسي في الأسواق العالمية. أثار قرار ترامب غضب كييف وحلفائها الأوروبيين لأنه من شأنه أن يؤمّن تمويلًا ضخمًا لآلة بوتين الحربية. غير أن الرئيس الجمهوري لديه أولويات مختلفة، إذ يرى أن الاتفاق مع روسيا بشأن توريد الديزل ضروري لخفض أسعار الطاقة قبيل الانتخابات النصفية الأميركية المقرّر إجراؤها في 3 تشرين الثاني المقبل. كما أنه يحاول حرف أنظار الناخبين الأميركيين عن الدور الرئيسي للحرب ضدّ النظام الإيراني في ارتفاع أسعار الطاقة من خلال تحميل الضربات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية وحدها المسؤولية عن ذلك.
يأتي الخلاف الأميركي - الأوكراني الأخير في إطار العلاقة غير المستقرّة بين الطرفين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. فقد حاول الرئيس الجمهوري تنفيذ وعده الانتخابي بإنهاء الحرب الأوكرانية - الروسية سريعًا. بيد أنه اصطدم بواقع الحرب التي يعتبرها الطرفان وجودية، الأمر الذي يصعّب عليهما تقديم التنازلات المطلوبة لإنهائها. رغم ذلك، أبدى الطرف الأوكراني مرارًا استعداده لتقديم تنازلات مهمّة مقابل ضمانات أمنية أميركية - أوروبية جدّية، إلّا أن إدارة ترامب امتنعت عن تقديم ذلك حتى الآن، متخوّفة من استفزاز موسكو وإجهاض فرص السلام. أما الطرف الروسي، فرفض أكثر من عرض لتحقيق السلام واقتراحات لا تُعدّ ولا تُحصى لوقف النار، مصرًّا على تحقيق كلّ شروطه عالية السقف، والتي يعني تنفيذها عمليًا استسلامًا أوكرانيًّا كاملًا وشاملًا.
أدّت سياسة المهادنة التي اعتمدتها إدارة ترامب إزاء الكرملين إلى تصلّب المواقف التفاوضية للأخير، فضلًا عن تصعيد روسيا هجماتها الجوّية الإرهابية على المدن الأوكرانية وهجماتها الهجينة ضدّ الدول الأوروبية المتحالفة مع كييف. انطلاقًا من ذلك، سعت أوكرانيا إلى خفض تعويلها على الدعم الأميركي من خلال تطوير قدراتها العسكرية والصناعية وتعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية. أسفرت الجهود الأوكرانية عن عرقلة تقدّم القوّات الروسية على الجبهات إلى حدّ كبير، كما أضحت كييف قادرة على ضرب منشآت حيوية في العمق الروسي. صحيح أن الهجمات الأوكرانية على قطاع الطاقة الروسي تساهم في رفع أسعار الطاقة العالمية، غير أن كييف لا تملك ترف الانصياع إلى المطالب الأميركية في هذا الصدد، إذ إن موسكو تستهدف منشآت الطاقة في أوكرانيا بشكل دوري، في محاولة لرفع كلفة الصراع على المدنيين الأوكرانيين، خصوصًا قبيل فصل الشتاء.
لذلك، تربط كييف وقف استهداف منشآت الطاقة بالتزام موسكو بذلك أيضًا. وبعدما أعلن ترامب أمس موافقة أوكرانيا وروسيا على الوقف الفوري للنار في قطاع الطاقة، أشار زيلينسكي إلى أن إعلان ترامب فاجأه، لكنه أكد أنه إذا وافق الروس عليه، فإنّ أوكرانيا ستوافق أيضًا. وهو موقف دعمته أوروبا. ولاحقًا، اتهم زيلينسكي روسيا باستهداف منشآت للطاقة في أوكرانيا بعد إعلان ترامب. وتجدر الإشارة إلى أن ترامب كان قد أصدر إعلانًا مماثلًا الشهر الماضي، إلّا أن كلًّا من روسيا وأوكرانيا واصلت مهاجمة البنية التحتية للطاقة للطرف الآخر.
من الصعب أن تؤول السياسة الأميركية الحالية إلى سلام بين أوكرانيا وروسيا. وسيؤدّي استمرار مهادنة الكرملين إلى المزيد من التصلّب في مواقف روسيا بشأن أوكرانيا والمزيد من التصعيد بين موسكو والدول الأوروبية، الأمر الذي قد يجرّ أميركا إلى مواجهة مباشرة لا تُحمد عقباها مع روسيا في حال تمّ تفعيل البند الخامس من ميثاق حلف "الناتو" ردًّا على هجوم روسي محتمل على دولة عضو في الحلف.
بناءً على ذلك، يُعتبر البديل الأمثل لتلك الاستراتيجية، التي أثبتت فشلها منذ بدء ولاية ترامب الثانية، تصعيد الضغوط الأميركية على روسيا ومنح أوكرانيا القدرات اللازمة لرفع كلفة الصراع على الكرملين. غير أن حسابات ترامب الداخلية وتقديره الخاطئ لنوايا روسيا من شأنهما أن يمنعا حدوث تحوّل في سياسة الإدارة الأميركية خلال العامين الأخيرين من عهد ترامب، ما يعني أن الخواتيم المرجوّة لأطول حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية ستبقى بعيدة المنال في المدى المنظور.