الدكتور سايد حرقص

زمن الهلوسات والنكبات

3 دقائق للقراءة

في زمن الهلوسات السياسية، يقول الشيخ نعيم قاسم إنه يرى «التحرير» أمام عينيه، فيما يعلن جبران باسيل أنه «رئيس المعارضة» وأنه سيواجه الحكومة و«يفترسها». وهكذا، بينما يرى الأول، في سراب الصحراء وغبار القرى المدمّرة، وهزّات الأنفاق المفجّرة، وأشلاء الضحايا ودموع الثكالى، نصراً يقترب، يرى الثاني نفسه أسداً ضخماً، في الوقت الذي يتخيّل فيه الحكومة فريسةً سينقضّ عليها ليمزّقها بأظافره وأنيابه. أما الشعب اللبناني، فينظر إلى المشهد كله وكأنه يحضر «شونسونيه» مضحكة في زمن الموت والألم، ويبتسم مردداً: «شرّ البلية ما يضحك».

واحد يرى التحرير على طريقة المنجّمين ومفسّري الأحلام، وآخر يحلم بطعم دم الافتراس كحكواتي أيام زمان، فيما الواقع دولة تتعثّر، ومؤسسات تتآكل، وأزمات يدفع المواطن ثمنها كل يوم، ورقعة الاحتلال تتمدّد، والوطن ينطفئ شمعةً شمعة.

لقد تحوّلت السياسة اللبنانية إلى ما يشبه مسابقةً في تمثيلٍ فاشلٍ ومبتذل؛ كل طرف يكتب لنفسه دوراً أسطورياً، في مزيجٍ غريب من البطولة المتخيّلة والكوميديا السياسية، ويرسم حول شخصه روايةً يصنع فيها من نفسه البطل الذي لا يُهزم، ثم يعلن انتصاره أو يتوعّد بافتراس خصمه. وكلما ازداد الواقع قسوةً وانكشافاً، ارتفع صوت بائعي الوهم، وكأن تكرار الرواية قادر على تغيير الحقيقة، وتحويل الهزيمة إلى انتصار، والعجز إلى بطولة، كأن مقولة «اكذب، ثم اكذب، حتى يصدّقك الناس»، المنسوبة إلى وزير الدعاية النازية جوزيف غوبلز، قد تحوّلت إلى عقيدةٍ يتّبعها باعة الأوهام، وتتبنّاها جيوشهم الإلكترونية وأبواقهم الإعلامية وجمهورهم. فحين يصبح تكرار الكذبة وسيلةً لتزييف الوعي، وتتحوّل الدعاية السوداء إلى بديلٍ عن الحقيقة، لا يعود الهدف إقناع الناس، بل إغراقهم بالأكاذيب حتى يعجزوا عن التمييز بين الحقيقة والوهم.

المشكلة اليوم ليست في ارتفاع سقف الخطاب. المشكلة أن هذا الانفصال بين الخطاب والواقع له كلفة حقيقية على الشعب والوطن في نفس الوقت.

فاللبناني لا يعيش على خشبة مسرح، حيث يمكن إعلان الانتصار ثم الانتقال إلى فقرة أخرى. هو يعيش نتائج كل قرار، ويدفع ثمن كل مغامرة، ويحمل تبعات كل صراع سياسي بعدما تنتهي الخطب وتُطفأ الكاميرات.

هنا تنتهي السخرية وتبدأ النكبة.

لأن النكبة لا تكمن فقط في الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والمالية التي يعيشها لبنان منذ زمن طويل، بل أيضًا في أن ينشغل السياسي بنشر أوهامه، فيما يعيش المواطن في بلد أنهكته الصراعات، وأضعفت مؤسساته الحسابات والمناكفات السياسية، وبات مستقبله ومستقبل أبنائه رهينة قرارات لا يشارك في صنعها، بل يدفع ثمنها.

الجميع يريد الانتصار، والجميع يريد السلطة، والجميع يملك رواية جاهزة عن المستقبل، حتى بات لكل طرف لبنانُه، وانتصاره، وحكايته. وفي هذا الجو الغريب العجيب، حيث تتزاحم البطولات الوهمية وتتراجع الحقائق على الأرض، لم يعد السؤال الحقيقي: من سينتصر؟ بل السؤال الذي يختصر كل هذا العبث: لبنان إلى أين؟ في لعبة يتنافس الجميع فيها على كتابة روايات انتصارهم فوق أنقاض البيوت وجثث الضحايا؟

إنها النكبة الفكرية والحضارية و السياسية بكل ما تعنيه الكلمة: المشهد نفسه يتكرر، بالشعارات نفسها، والوعود نفسها، والصراعات نفسها، والوجوه نفسها التي تتبدّل مواقعها ولا تتبدّل أدوارها؛ ثم يُطلب من الشعب اللبناني، مرة بعد مرة، أن يصدّق أن النهاية ستكون مختلفة. كأن إعادة تدوير الخطاب يمكن أن تعيد إنتاج الأمل، وكأن تبديل المواقع قادر على تبديل النتائج، وكأن الوطن يستطيع أن يدفع الثمن إلى ما لا نهاية.