من إعادة الإعمار إلى إعادة بناء الدولة... لقاء في LAU يرسم أولويات تعافي لبنان

4 دقائق للقراءة

نظّم معهد العدالة الاجتماعية وحل النزاعات في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور (KAS)، لقاءً حوارياً حول أولويات التعافي وإعادة الإعمار في لبنان في مرحلة ما بعد النزاع، بمشاركة وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد ونخبة من الشخصيات الأكاديمية والقانونية والثقافية.

وجاء اللقاء، بتنسيق من البروفسور عماد سلامة، ليؤكد أهمية الانتقال من إدارة الأزمات إلى وضع رؤية وطنية متكاملة لا تقتصر على إعادة بناء البنى التحتية، بل تشمل تعزيز صمود المؤسسات والتماسك الاجتماعي، واستعادة الثقة بالدولة، وتحقيق التنمية المستدامة.


النجار: هل يمكن الحديث عن مرحلة ما بعد النزاع؟

استُهل اللقاء بكلمة للبروفسور إبراهيم النجار، وزير العدل السابق ورئيس مؤسسة النجار للثقافة والحرية، شدّد فيها على أهمية الحوار الفكري والثقافي في استشراف مستقبل لبنان.

وتساءل النجار عن إمكان الحديث عن مرحلة ما بعد النزاع في ظل استمرار التحديات التي تهدّد استقرار البلاد، داعياً إلى إعادة النظر في مفهوم التعافي وشروط تحقيقه بصورة مستدامة.


باده: التعافي يحتاج إلى مؤسسات فاعلة

من جهتها، أكدت رئيسة مكتب مؤسسة كونراد أديناور في لبنان، كريستينا باده، التزام المؤسسة بدعم الحوار حول التعافي والتنمية وتعزيز صمود المؤسسات، في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع فعالية القطاع العام وأزمة الثقة بين المواطنين والدولة.

وشدّدت على أن التعافي المستدام يتطلب مؤسسات فاعلة ومجتمعاً مدنياً نشطاً وشراكات مستمرة، مشيدةً بالتعاون مع معهد العدالة الاجتماعية وحل النزاعات، بقيادة البروفسور عماد سلامة، في توفير مساحة للحوار وصوغ توصيات عملية.


السيد: العودة الكريمة تتطلب السكن والعمل والخدمات

وفي كلمتها الرئيسية، تناولت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للنزاع والنزوح، مشيرةً إلى أن لبنان كان يعاني أصلاً أزمة اقتصادية حادة وارتفاعاً في معدلات الفقر والبطالة، قبل أن تؤدي الأعمال العدائية وموجات النزوح إلى تفاقم الأوضاع.

وأكدت أن عودة النازحين إلى مناطقهم لا تعني مجرد العودة الجغرافية، بل تستوجب تأمين مقومات الحياة الكريمة، من مساكن وفرص عمل وتعليم ومياه وخدمات أساسية.

وحذّرت من احتمال تصاعد التوترات الاجتماعية نتيجة التنافس على الموارد المحدودة، داعيةً إلى سياسات تحمي التماسك الاجتماعي وتراعي احتياجات النازحين والمجتمعات المضيفة.

كما أشارت إلى ارتفاع كلفة إعادة الإعمار ومحدودية التمويل الدولي، ولا سيما في قطاع الإسكان، مستعرضةً أولويات الاستجابة الحكومية، ومنها تأهيل البنى التحتية وتحسين خدمات المياه وتوفير حلول سكنية مؤقتة وإعادة تشغيل المدارس والمرافق الأساسية.

وشدّدت على ضرورة الانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى برامج تنموية طويلة الأمد تعيد تنشيط سبل العيش وتعزّز صمود المجتمعات المحلية.


داغر: إعادة بناء الهوية الوطنية لا تقل أهمية عن الحجر

بدورها، اعتبرت الكاتبة والصحافية والخبيرة في شؤون الشرق الأوسط كارول داغر أن لبنان يمر بمرحلة إعادة تشكّل سياسي واجتماعي، مشيرةً إلى أن تجارب إعادة الإعمار السابقة لم تنجح، رغم إنجازاتها العمرانية، في تجاوز الانقسامات أو ترسيخ هوية وطنية جامعة.

وأكدت أهمية التوفيق بين الحفاظ على التعددية الدينية والثقافية وتعزيز المواطنة والانتماء إلى الدولة، مشدّدةً على دور التربية والثقافة والحوار والذاكرة التاريخية في ترميم الروابط الوطنية.


زغيب: لا إعمار مستداماً من دون إصلاح المؤسسات

من جانبه، تناول عميد كلية الحقوق في جامعة الروح القدس – الكسليك، البروفسور رزق زغيب، تحديات صمود المؤسسات في ظل تشتّت السلطة وتأثير الانقسامات السياسية في عمل الدولة.

ودعا إلى تعزيز استقلالية المؤسسات وكفاءتها، والحد من التدخلات السياسية والحزبية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة والمساءلة وسيادة القانون، باعتبارها شروطاً أساسية لاستعادة ثقة المواطنين بالدولة.


رؤية وطنية تتجاوز إعادة بناء ما تهدّم

واختُتم اللقاء بنقاش مفتوح أداره البروفسور إبراهيم النجار، تناول التحديات البنيوية التي تعوق التعافي، وفي مقدمها غياب رؤية تنموية وطنية، واستمرار الفقر والتراجع الاقتصادي والمؤسساتي، وتدهور الخدمات والبنى التحتية.

وخلص المشاركون إلى أن التعافي المستدام لا يتحقق بمشاريع إعمار متفرقة أو مساعدات مالية منفصلة عن الإصلاحات، بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية تجمع بين النهوض الاقتصادي والحماية الاجتماعية والإصلاح المؤسسي وتعزيز المواطنة.

وأكدوا أن إعادة بناء لبنان ينبغي ألا تقتصر على ترميم ما تهدّم، بل أن تشكّل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإرساء مؤسسات قادرة وعادلة تضع الإنسان والتنمية المستدامة في صلب أولوياتها.