ليست كلّ الدروس حبيسة الجدران، ولا كلّ الرحلات مجرّد انتقال من مكان إلى آخر؛ فثمة دروبٌ تفتح أمام الإنسان نوافذ على ذاته، وتعيد إليه شيئًا من السكينة التي يبدّدها صخب الحياة اليومية.
في غابة بكاسين، حيث تمتدّ أشجار الصنوبر المثمر في مشهدٍ يختزن جمال الطبيعة وثراءها، اختار طلاب الصف العاشر في "ثانوية السفير" أن يتعلّموا خارج الصفوف، وأن يختبروا بأقدامهم وحواسّهم درسًا حيًّا في التوازن والانسجام بين الإنسان وبيئته.
وانطلاقًا من إيمانها بأن التربية لا تكتمل داخل قاعات الدراسة وحدها، نظّم "نادي المشي في الطبيعة" في الثانوية مسيرًا إلى محمية غابة بكاسين، التي تضمّ أكبر غابات الصنوبر المثمر في الشرق الأوسط، بهدف إتاحة مساحة للطلاب يتأمّلون فيها الطبيعة، ويكتشفون أسرارها، ويستعيدون عبرها شيئًا من توازنهم الداخلي.
وقد شارك في الرحلة مدير الثانوية الدكتور سلطان ناصر الدين، وعدد من الأساتذة، والمرشد السياحي في المحمية الأستاذ روي عازار، وبإشراف منشّط النادي الأستاذ محمّد الشامي.
على امتداد الدروب المتعرّجة بين الأشجار، مضى الطلاب بخطوات هادئة، تحفّ بهم ظلال الصنوبر الوارفة، وترافقهم أصوات الطبيعة التي بدت كأنها تعزف سيمفونية لا تحتاج إلى كلمات.
هناك، لم تعد الغابة مجرّد أشجار وممرّات خضراء، بل مساحة مفتوحة للإصغاء والتأمّل، يتقدّم فيها الشعور على الكلام، وتستعيد فيها الحواس قدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها الإنسان وسط انشغالاته اليومية.
ومع كلّ خطوة، أخذ الطلاب يكتشفون في الأشجار ما يتجاوز جمالها الظاهر؛ فجذورها التي تتشبّث بعمق الأرض وأغصانها التي تتطلّع نحو السماء تختصر حكاية التوازن بين الأصالة والطموح، وبين الانتماء والتطلّع إلى المستقبل.
في هذا المشهد الطبيعي، تحوّلت تفاصيل الغابة إلى دروسٍ لا تحتاج إلى سبّورة أو كتاب. ففي كلّ جذعٍ شامخ صورةٌ للصمود، وفي كلّ غصنٍ يمتدّ نحو الضوء معنى للسعي والتجدّد، وفي كلّ بذرةٍ صغيرة حكايةٌ عن إمكانات النموّ التي تبدأ متواضعة، ثم تتّسع حين تجد البيئة المناسبة.
هكذا تجاوز المسير حدود النشاط الترفيهي، ليصبح تجربة تربوية حيّة، يتعلّم فيها الطلاب أن القوّة لا تعني الصلابة وحدها، بل القدرة على الثبات والتكيّف، وأن النموّ الحقيقي لا يتحقّق بالارتفاع وحده، بل بالتوازن بين عمق الجذور واتساع الآفاق.
وبين المسير والتأمّل، اكتشف الطلاب أن الطريق بين الأشجار قد يقود إلى أعماق الذات بقدر ما يقود إلى وجهةٍ جغرافية. فثمة تعبٌ يرهق الجسد، لكنه يوقظ الروح، وثمة ابتعادٌ عن ضجيج المدينة يتيح للفكر أن يستعيد صفاءه، وللقلب أن يجد فسحةً من الطمأنينة. من هنا، لم تكن بكاسين محطةً عابرة في برنامج المدرسة، بل تجربةً أعادت وصل الطلاب بالطبيعة، وقرّبتهم من معاني البساطة والتوازن والانتماء.
وعبّر مدير الثانوية الدكتور سلطان ناصر الدين عن الأثر الذي تتركه الغابة في نفوس زائريها، قائلًا: "كلّما زرنا غابة بكاسين تعلّقنا بها أكثر؛ تترك فينا شيئًا من خضرتها وكثيرًا من سلامها".
ووصف المشهد الذي تمنحه الغابة لروّادها: "في غابة بكاسين، لا نمشي بين الأشجار، بل بين أسرار الحياة. هنا، تتنفّس الأرض خضرة، وتكتب الشمس قصائدها على جبين الصنوبر. كلّ شجرة حكاية ثبات وعطاء، وكلّ غصن نافذة على الأمل والجمال. نمشي فتتعب أقدامنا، لكنّ قلوبنا تفرح".
وتختصر هذه الكلمات جانبًا من فلسفة الرحلة؛ فالمسير، وإن استنزف شيئًا من طاقة الجسد، يفتح في المقابل نافذةً على فرحٍ مختلف، لا يُقاس بالمسافة المقطوعة، بل بما تتركه التجربة من أثرٍ في النفس والذاكرة.
من جهته، أوضح منشّط نادي المشي في الطبيعة الأستاذ محمّد الشامي أن هذا المسير هو الأول للنادي خلال العام الدراسي الحالي، وقد اختير له شعار «مقابل من يهدم، نعمّر ونزرع»، في تأكيدٍ على قيمة البناء والعطاء، وعلى أهمية التمسّك بالحياة والطبيعة في مواجهة كلّ ما يهدّد الجمال والاستدامة.
وقال الشامي: في السفير، الطبيعة ثقافتنا وامتداد مناهجنا، والمشي في الطبيعة أساس للعودة بطلابنا إلى حيث التناغم والهدوء الفكري بعيدًا عن صخب المدينة. هذا ما اعتدنا ممارسته منذ عشرة أعوام، وللأيام القادمة، الطبيعة مدرستنا. الغابة، بيتنا الأوّل. عودتنا إليها كالعائد إلى بيته من بعد سفر. هكذا استقبلتنا غابة صنوبر بكاسين، وهكذا بادلناها وفتحنا لها أبواب أنفسنا".
بدوره، أشار المرشد السياحي الأستاذ روي عازار إلى أن بلدة بكاسين تتميّز بغابة الصنوبر التي تُعدّ الأكبر في الشرق الأوسط، وتشكل ثروةً طبيعية وبيئية وجمالية. وأوضح أن أشجار الصنوبر تمنح المنطقة خضرتها وبهاءها، فضلًا عن إنتاج ثمار الصنوبر الفاخر، المعروف بجودته العالية وقيمته الغذائية والاقتصادية، حتى غدا صنوبر بكاسين عنوانًا للجودة، وغابتها رمزًا للعراقة والعطاء.
ولم تقتصر أصداء الرحلة على الطلاب، بل امتدّت إلى الأساتذة الذين وجدوا في المسير فرصةً لاستعادة النشاط وتجديد الصلة بالطبيعة. فقد رأت الأستاذة كلودي أبو دلّة أن "المسير في غابة بكاسين رحلة من التعب إلى الانشراح، امتصّت من نفوسنا الطاقة السلبية، وأودعتها سكينة وراحة، حتى خُيّل إلينا أنّ الغابة لا تنقّي الهواء فحسب، بل تنقّي الأرواح أيضًا".
أما الأستاذ حسن سنان، فاعتبر أن "غابة بكاسين نشّطت حواسّنا، فاستنشقنا الهواء النقيّ والسعادة»، فيما عبّرت الأستاذة أمل تقي عن المفارقة الجميلة التي تختزنها رحلات المشي بقولها: «في أحضان الطبيعة يتعب الجسد فيدفع من طاقته ثمنًا لفرح الروح".
وعلى مستوى الطلاب، وصفت قمر خليفة المشي في أحضان الطبيعة بأنه "رحلة إلى أعماق الذات»، فيما استحضرت حنين شبر شعورها بالأمان والسكينة، قائلة: «في غابة بكاسين شعرت أنّ الأرض تحتضنني، والأشجار تحرسني، فشعرت بالأمان والسلام الداخلي".
ورأى أمير خليفة أن "غابة بكاسين آية من الجمال، والجمال حياة»، بينما وصف حسين ياسين النشاط بأنه "فرصة جميلة للاستكشاف"، مضيفًا: "الطبيعة بكلّ ما فيها فتحت لنا آفاقًا، ووسّعت مساحات الأحلام في داخلنا".
وتكشف هذه الانطباعات، على اختلاف تعابير أصحابها، عن تجربةٍ جمعت بين متعة الاكتشاف وراحة النفس واتّساع الخيال؛ فالغابة التي استقبلت الطلاب بأشجارها وظلالها، منحت كلّ واحدٍ منهم فرصةً لالتقاط معنى خاص، كأنّ الطبيعة تترك في كلّ قلبٍ أثرًا يشبهه، وتمنحه من جمالها ما يحتاج إليه.
أما الأستاذ حسن خازم، فاختار أن يعبّر عن انطباعه بلغة الشعر، مستعيدًا خفّة الخطوات وفرح المسير وامتزاج الإنسان بالمكان.
وهكذا، عاد طلاب "ثانوية السفير" من غابة بكاسين، حاملين معهم ما هو أبعد من صور الأشجار والدروب الخضراء؛ عادوا بتجربةٍ تذكّرهم بأن التعلّم قد يبدأ من ورقةٍ تتمايل، أو جذرٍ يتشبّث بالأرض، أو طريقٍ يعلّم صاحبه أن الوصول لا يُقاس دائمًا بنهاية المسافة، بل بما يتغيّر في داخله خلال الرحلة. وقد وجد الطلاب درسًا في أن الإنسان يستطيع أن يمضي عاليًا في أحلامه، من دون أن ينسى جذوره، وأن يبني ويزرع ويكتشف، كلّما أفسح للطبيعة مكانًا في حياته.