"سيدة النصر في يوم الفزع الأكبر" للشيخ عباس حايك

7 دقائق للقراءة
لم تكن الطريق إلى كفيفان مجرد انتقال من مدينة إلى قرية بل كانت خروجًا بطيئًا من الفزع (صورة AI)

صدرت أخيرًا عن "دار سائر المشرق" رواية "سيدة النصر في يوم الفزع الأكبر - شيخ في الكنيسة" للشيخ عباس حايك. والرواية، على ما يورد كاتبها، تحكي "رحلة إنسان خرج من تحت القصف محمّلا بصور كثيرة عن الناس، فعاد محمّلا بمعرفة أخرى عن الإنسان... ما بين الخروج من القرية والدخول إلى كفيفان، تبدّلت أشياء كثيرة. سقطت أحكام، وتراجعت مسافات، وظهرت وجوه لم أرَ فيها سوى ما يجمع البشر من خوف وأمل ومحبّة... فإن كانت الحرب قد أرادت أن تزرع الخوف في القلوب، فقد نجحت، دون أن تدري، في أن تزرع في قلبي شيئًا آخر أيضًا: إيمانًا أعمق بالإنسان". هنا فصل من الرواية تنشره "نداء الوطن". 

(...) وفي فجر اليوم الثاني، كنّا ما نزال داخل السيارات. أراقب أولادي وأمهم... وجوه متعبة، وعيون لم تنم، وأجساد ترتجف من البرد والخوف معًا. وعلى جانبي، كانت سيارة أهلي متوقفة... أسمع أنينهم من خلف الزجاج المغبّش. برد قاسٍ، وتعب ينهش الأرواح، وبعضهم يبكي بصوت مكتوم لأنه لا يعرف كيف يقضي حاجته وسط الطرقات والزحمة والذلّ. يا الله... كم يصبح الإنسان ضعيفًا حين يُقتلع من بيته! كنت أفرك يديّ من شدّة العجز... وأسأل نفسي: ماذا أنا صانع؟ كيف أحمي هؤلاء؟ إلى أين آخذهم؟ ومَن بقي أصلًا ليسأل عنّا؟

في تلك اللحظات، كنت أنتظر اتصالا من رجل دين، أو قريب، أو مسؤول، أو أي شخص يحمل شيئًا من المسؤولية. لا أدري لماذا راودتني تلك الفكرة... ربما حُسن نيّة، وربما سذاجة الذين يظنون أن الكلام الكثير على المنابر والشاشات قد يتحوّل يومًا إلى يد تمتدّ نحو الناس ساعة الخوف. لكن شيئًا لم يحدث. لا أحد اتصل. لا أحد سأل. لا أحد تذكّر أن آلاف البشر كانوا ينامون في العراء كأنهم بقايا حرب منسيّة.

وعند شروق الشمس، استفاقت السيارات الراكنة على جانبي الطريق. يا الله... ما ذلك الصوت؟ أنين الخارجين من الليل. سعال أطفال. بكاء نساء. أبواب سيارات تُفتح ببطء. ووجوه خرجت من العتمة كأنها عادت لتوّها من المقابر. كان المشهد أكبر من الاحتمال. وعندها تذكّرت صديقًا من المعارضة الشيعية، رجلا لا يغادر الشاشات، يتحدّث دائمًا عن الناس، وعن النازحين، وعن المظلومين أمثالنا. قلت في نفسي: ربما الآن يكون صادقًا مع ما يقوله. رفعت هاتفي واتصلت. لم يردّ. أرسلت رسالة. لم يردّ أيضًا. ولم يسأل لاحقًا. أغلقت الهاتف... وشعرت أن بعض البشر يحبّون الناس أكثر حين يكونون على الشاشات فقط.

واصلنا السير. السيارات تزحف ببطء يشبه الجنائز، والطرقات مكتظة بوجوه شاحبة، بعضها يقرأ القرآن، وبعضها يشتم الحرب، وبعضها ينظر بصمت إلى عتمة السماء كأنها ستتكلّم. وفي مكان ما بين القرية وبيروت، بدأ الشك يتسلّل بهدوء إلى القلوب، لا بوصفه كفرًا... بل بوصفه تعبًا بشريًا هائلا. كان الجميع يسأل بطريقته: الطفل: لماذا يخاف الكبار هكذا إذا كان الله معنا؟ العجوز: كم حزنًا يحتاج الإنسان ليكتشف أن الموت لا يشبع؟ والمرأة تسأل: لماذا يدفع الفقراء دائمًا ثمن الأوطان؟ أما الرجال الذين اعتادوا الكلام عن الصمود والانتصار، فقد كانوا أكثر الناس صمتًا.

(...) رفعت رأسي فجأة، وكأن اسمًا مرّ في داخلي كضوء صغير وسط هذا التعب كلّه. تذكّرت صديقي النبيل... ملحم خلف. لا أدري لماذا تذكّرته في تلك اللحظة تحديدًا... ربما لأن الأرواح المتعبة تبحث عمّن يشبه الطمأنينة. أخرجت هاتفي بيد مرتجفة... واتصلت. رنّ الهاتف قليلا... ثم جاءني صوته. صوت دافئ، متعب، إنساني... كأنني لا أسمع رجلا، بل أسمع بيتًا يفتح بابه. قال بسرعة وقلق: "وينكن؟". لم أتمالك نفسي. شعرت بأن التعب كلّه صعد إلى حلقي دفعة واحدة. قلت له بصوت مكسور: "نحن في بيروت... تائهون". ساد صمت قصير... ثم سمعته يبكي. نعم... يبكي كأن الوجع أصابه هو أيضًا. قال لي فورًا: "ابقَ معي على الهاتف... لا تسكّر الخط، أنا بانتظاركم في مركز جمعية فرح العطاء".

في تلك اللحظة... شعرت بأن العالم، رغم كل هذا الخراب، ما زال فيه بشر إذا سمعوا تعبك، فتحوا لك قلوبهم قبل أبوابهم. وبقي معي على الهاتف طوال الطريق... لأنني لم أكن أعرف الشوارع، ولا الطرقات، ولا كيف أصل وسط هذا التعب والضياع. وحين وصلت... وجدته واقفًا ينتظرني في الشارع. ركنت السيارة، واقترب مني بسرعة... عانقني وبكى. ثم سلّم على العائلة والأولاد، كأنه يستقبل أهله لا نازحين أتعبتهم الحرب. أخذنا إلى داخل المركز... استرحنا قليلا، وأحاطنا بحسن الضيافة والاهتمام، ذلك النوع من الاهتمام الذي لا يداوي الجسد فقط، بل يرمّم شيئًا مكسورًا في الروح.

وبعد الظهر، قال لي: "اتصلت ببعض الإخوة... سيأخذونكم إلى كفيفان، إلى كنيسة سيدة النصر... الجناح الآخر لجمعية فرح العطاء". وهناك بدأت حكاية أخرى. حكاية الحجر الذي اتسع لخوفنا، وحكاية الناس الذين أعادوا إلينا معنى الإنسان.

لم تكن الطريق إلى كفيفان مجرد انتقال من مدينة إلى قرية بل كانت خروجًا بطيئًا من الفزع، ودخولا خجولا إلى شيء يشبه الطمأنينة. كلّما صعدت السيارة نحو التلال، شعرت أن الضجيج الذي كان يلتصق بروحي بدأ يبتعد قليلا. الهواء هنا مختلف... أخفّ، وأكثر رحمة، كأن هذه القرى تعرف كيف تخبّئ الناجين داخل صمتها. قدت السيارة نحو كفيفان، كأنني لا أهرب من الحرب، بل أمشي نحو هدنة صغيرة تركها الله على هذه التلال.

وعند مدخل البلدة كان ينتظرني جان أبي راشد، صديق ملحم خلف... شاب خلوق، تظهر في ملامحه تلك البساطة التي لا تُصطنع. ما إن رآني حتى عانقني وكانت دموعي أقرب إلى عينيه من عينيّ. ابتسم جان وقال لي: "لا تبكِ يا شيخ... فأنت بين أهلك". تلك العبارة لم تكن مواساة فقط... كانت سقفًا سقط فوق خوفي كي يحميه. أخذني معه نحو جمعية فرح العطاء، إلى كنيسة سيدة النصر، حيث الحجر القديم يشبه وجه لبنان حين كان أكثر رحمة.

دخلت المكان وكان هناك رجل من بلاد الهند، اسمه شاما. شاما وجهه يحمل ابتسامة لا تعرف التكلّف، وفي عينيه تلك الطيبة التي لا تحتاج إلى لغة. تقدّم نحوي بسرعة، وقال بلهجته البسيطة: "أنا خادم لكم يا شيخ". كم بدت الجملة كبيرة في ذلك اليوم! كان بسيطًا، خدومًا، يبتسم كأن الحزن لا يليق بالبشر، ويهتم بكل تفصيل صغير، كأنه يعرف أن الناجين من الحروب لا يحتاجون فقط إلى الطعام والمكان بل إلى قلب يُشعرهم بأنهم ما زالوا بشرًا.

جلست هناك أراقب القناطر الحجرية، والمدفأة، والصنوبر المحيط بالمكان، وأشعر بأن الخوف الذي دخل معي بدأ يتعب قليلا. للمرة الأولى منذ يومين شعرت أنني لست مطاردًا بالكامل. كان المكان هادئًا بطريقة مؤلمة، كأن الحجارة نفسها تصلّي بصمت من أجل المتعبين. الأولاد تمدّدوا أخيرًا دون خوف وأصواتهم بدأت تستعيد شيئًا من الطفولة التي سرقتها الطريق. أما أنا فجلست قرب النافذة، أراقب الغروب وهو ينزل ببطء على صنوبر كفيفان، وأفكّر أن الإنسان، مهما تهشّم، قد تنقذه كلمة، أو عناق، أو قرية صغيرة قرّرت أن تفتح قلبها للغرباء.

نمنا تلك الليلة لا كنائمين، بل كقتلى أعادهم التعب إلى الأرض. سقطت أجسادنا على الأسرّة دفعة واحدة، كأن النوم لم يعد راحة، بل إغماءة طويلة بعد يومين من الهروب والخوف والطرقات. حتى الأحلام كانت متعبة. وجوه، صراخ، سيارات، طرقات، وجريان نهر آسن، وأصوات طائرات بعيدة تدخل إلى النوم كأن الحرب ترفض أن تتركنا وحدنا. لكن شيئًا في ذلك المكان، في حجارة كنيسة سيدة النصر، وفي صنوبرها، وفي هدوئها العتيق، كان يضع يده على أرواحنا المرتجفة بهدوء.

وفي الفجر استيقظت على صوت المئذنة. كان الأذان يخرج من بعيد، هادئًا، شفيفًا، كأنه لا يريد أن يوقظ الخوف النائم داخل الناس. وما إن انتهى حتى جاء صوت جرس الكنيسة. يا الله... كيف التقى الصوتان في تلك اللحظة، كأنهما صلاة واحدة بلغتين! وقفت أصلّي لكنها لم تكن صلاة الخائف هذه المرّة. كانت صلاة المطمئن قليلا، صلاة رجل وجد جدارًا يسند تعبه، وسقفًا لا يسأل الناجين عن طوائفهم قبل أن يحميهم.


غلاف الكتاب