ريشار حرفوش

متفجرات ضهر البيدر: مَن أطفأ عيون الطريق وأين كانت ستُخزَّن؟

6 دقائق للقراءة

لم تعد شحنة متفجرات ضهر البيدر حادثة أمنية معزولة، بعدما كشفت البيانات المتلاحقة للجيش اللبناني والمعلومات الأمنية عن سلسلة عمليات تهريب وضبط لمواد شديدة الانفجار، خلال أقل من أسبوعين، على امتداد الحدود اللبنانية - السورية وصولًا إلى الطريق المؤدية إلى بيروت. فهل نحن أمام عمليات متفرّقة، أم شبكة منظّمة تدير حركة المتفجرات وتحدّد مساراتها ووجهاتها؟

في الأول من تشرين الأول، أعلن الجيش اللبناني ضبط نحو 245 كلغ من مادة TNT الشديدة الانفجار، وأربع عبوات ناسفة، وثمانية مفجّرات للعبوات، إضافة إلى أسلاك كهربائية خاصة بها، أثناء محاولة تهريبها من الأراضي السورية إلى الداخل اللبناني. وقد فرّ المهرّبون باتجاه الأراضي السورية فور وصول دورية للجيش إلى المكان.

وفي 8 تشرين الأول، ضبط حاجز لقوى الأمن الداخلي في ضهر البيدر شحنة ضخمة ضمّت 14 شوالًا من مادة TNT بوزن 562 كلغ، و206 كلغ من مادة C4، و15 كرتونة من الكرات المعدنية (الخردق) بوزن 350 كلغ، فضلًا عن خمسة قوالب معدنية فارغة مخصّصة للحشوات الموجّهة.

وفي اليوم التالي، أحبط الجيش محاولة تهريب عبر الحدود في منطقة القصر - الهرمل، وضبط كمية من القذائف الصاروخية ونحو 24 كلغ من مادة TNT الشديدة الانفجار.

أما في 12 تشرين الأول، فضبطت وحدة من الجيش في منطقة القصر - الهرمل نحو 200 كلغ من المواد المتفجرة، موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى لبنان، فيما فرّ المهرّبون مجددًا إلى الداخل السوري.

أربع عمليات خلال 12 يومًا، وكميات كبيرة من المتفجرات، ومسارات تهريب تتكرّر. إنها معطيات تعزّز الشكوك في وجود عمليات منسّقة تديرها منظمة "حزب الله"، وتضع شحنة ضهر البيدر في قلب أسئلة تتجاوز السيارة المضبوطة وسائقَيها: مَن أرسل المتفجرات؟ مَن أمّن طريقها؟ ومَن كان ينتظر وصولها؟

وفي هذا الإطار، يحذّر مصدر متابع من أن ضبط شحنة لا يعني بالضرورة اعتراض جميع الشحنات المماثلة، لافتًا إلى احتمال وجود مخازن لم تصل إليها الأجهزة الأمنية بعد، بما فيها مواقع داخل مناطق سكنية مكتظة في بيروت وضواحيها.

والأخطر، وفق هذه المخاوف، احتمال تخزين المتفجرات خارج المناطق المحسوبة على "حزب الله"، في محاولة لتضليل الرقابة الأمنية. فالضاحية الجنوبية، الخاضعة لرصد أمني من أطراف عدّة، قد لا تكون المكان الأكثر ملاءمة لإخفاء هذه المواد، ما يثير احتمال نقلها إلى أحياء وبلدات ذات طابع سنّي أو مسيحي، بعيدًا من دوائر الاشتباه التقليدية.


بيروت الكبرى... وجهة تثير الأسئلة

في هذا السياق، تبرز إشارة بالغة الدلالة وردت على لسان رئيس الحكومة نواف سلام خلال الاجتماع الوزاري الأسبوعي، إذ أكد أن "شحنة ضهر البيدر كانت متجهة من البقاع إلى بيروت الكبرى".

وتحديد "بيروت الكبرى" ليس تفصيلًا جغرافيًا عابرًا، بل معطى تزداد خطورته في ضوء قرار الحكومة، في نيسان الفائت، اعتبار بيروت منطقة منزوعة السلاح. فكيف تُنقل هذه الكميات من المتفجرات باتجاه منطقة يُفترض أن تخضع لحصرية السلاح بيد الدولة؟ ولمن كانت ستُسلّم؟ وأين كان يُفترض أن تستقر؟

ويتفرّع من هذه الأسئلة استفهام آخر يتعلّق بإسرائيل: هل كانت ترصد حركة هذه الشحنات؟ وهل ثمة صلة بين مسارات التهريب والضربات الإسرائيلية قرب الحدود اللبنانية - السورية؟

ويزيد التساؤلات استهداف سيارة رباعية الدفع، الجمعة الفائت، قرب الحدود، ونجاة سائقها، بعد فترة من انقطاع عمليات مماثلة. لكن التزامن لا يثبت وجود رابط بين الحادثتين، ويبقى الأمر رهن معطيات موثّقة.


شحنات تمرّ... ومخازن تنتظر؟

تعيد حادثة ضهر البيدر إلى الواجهة تحذيرات سبق أن أثارتها "نداء الوطن" في مقال بعنوان "خلايا تخريبية بانتظار ساعة الصفر"، تناول مخاطر المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية - السورية، وإمكان استغلالها لنقل الأسلحة والمواد المتفجرة إلى الداخل اللبناني.

وحيث أن وقاحة الحزب وصلت إلى حد المطالبة باسترداد هذه الشحنة كما حصل في حوادث سابقة، يؤكد مصدر أمني أن الأجهزة المعنية باتت تتعامل مع الأسلحة والمواد القتالية المضبوطة خارج الأطر الشرعية استنادًا إلى القرارات السياسية الصادرة عن الحكومة، بما يستبعد إعادتها تلقائيًا إلى أي جهة تطالب بها تحت عنوان "المقاومة".

وبحسب المصدر، لا يقتصر هذا التحوّل على المصادرة والإجراءات الميدانية، بل يشمل الإحالات القضائية والملاحقات المترتبة عليها، انسجامًا مع قرارات السلطة التنفيذية بشأن حصر السلاح بيد الدولة.

وهنا تتجاوز القضية مكافحة التهريب لتتحوّل إلى اختبار لقدرة الدولة على ترجمة قراراتها السيادية إلى إجراءات فعلية، لا تستثني جهة ولا تمنح السلاح غير الشرعي حصانة.


التحقيق إلى ما وراء السائقين

في هذا الإطار، تبرز أهمية طلب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، التوسّع في الاستجوابات والتدقيق في الإفادات. فالمطلوب ليس الاكتفاء بتحديد المسؤوليات الجزائية المباشرة، بل كشف سلسلة النقل بكامل حلقاتها، من مصدر المتفجرات إلى الجهة التي كانت ستتسلّمها، مرورًا بكل مَن شارك في تأمين عبورها.

وبما أن الشبهات تتجه إلى احتمال ضلوع "حزب الله" في هذه العمليات، فالسؤال مشروع عن مدى استعداد المراجع السياسية والقضائية لتوسيع التحقيق ليشمل قيادة الحزب، وصولًا إلى أمينه العام نعيم قاسم، بدل حصر المسؤولية بالمنفّذين. فكيف يمكن بلوغ الحقيقة إذا توقّف التحقيق عند السائقين ولم يصل إلى مَن أصدر الأوامر؟

ولا يقلّ إلحاحًا سؤال عمّا إذا كان الحزب لا يزال يستفيد من ثغرات أمنية أو تسهيلات لم تُكشف بعد، تسمح بنقل المواد القتالية عبر الأراضي اللبنانية خارج رقابة الدولة.


كاميرات معطّلة

في موازاة التحقيقات، تعيد قضية ضهر البيدر فتح ملف بالغ الحساسية: تعطيل كاميرات المراقبة على الطريق الممتدة من زحلة إلى ضهر البيدر.

فقد كشف عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب جورج عقيص لـ"نداء الوطن" عن تعرّض 28 كاميرا مراقبة بين شتورا وجلالا والمريجات للتكسير أو التعطيل، مشيرًا إلى أنه سبق أن حذّر، قبل أكثر من ستة أشهر، من الاعتداءات التي طالت عددًا منها، من دون أن تفضي التحذيرات إلى معالجة حاسمة.

وربط عقيص بين تعطيل وسائل المراقبة واحتمال التحضير لتمرير شحنات متفجرات بعيدًا من أعين الأجهزة الأمنية، محذّرًا من انكشاف الطريق أمنيًا.

وإذا كانت التحقيقات لم تثبت بعد وجود صلة بين تعطيل الكاميرات وشحنة ضهر البيدر، فإن اجتماع هذين المعطيين يفرض سؤالًا لا يجوز تجاوزه: مَن عطّل عيون المراقبة على أحد أهم الشرايين التي تربط البقاع بالعاصمة؟


خيط لم يُكشف بعد

يشير مصدر أمني إلى أن التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري ساهم، خلال الأسابيع الأخيرة، في إحباط محاولات لتهريب أسلحة ومواد متفجرة، بالتوازي مع تعزيز الانتشار وتبادل المعلومات لملاحقة الشبكات الناشطة على جانبي الحدود.

فبين الحدود السورية وضهر البيدر وبيروت الكبرى، لا يقتصر التحدّي على ضبط المتفجرات، بل يمتد إلى كشف الجهات التي ترسلها، والمسارات التي تسلكها، والجهات التي تنتظر تسلّمها.

ويبقى السؤال: هل شحنة ضهر البيدر هي الاستثناء الذي كُشف، أم أن شحنات أخرى سبقتها إلى وجهتها من دون أن يعترضها أحد؟