في صباح 14 تشرين الأول 1990، استقبلت أبي بعد أكثر من عام على الفراق. لم يكن يشبه ذلك الرجل الذي ودّعته في اليرزة ـ بعبدا. اختفى العنفوان، وخفتت نبرته العالية، وبدا أشبه بشبح إنسان، ممزّق الثياب، مطأطئ الرأس، مثقلاً بالهزيمة. كان مشهداً اختزل مأساة وطن آمن بـ«مخلّص»، ليكتشف في لحظة الحقيقة أنه لم يكن يتبع سوى بائع أوهام، يهرب عند شروق شمس الحقيقة.
في كل عام، يحلّ 13 تشرين، فيعود تجّار الأوهام وورثتهم إلى المتاجرة بدماء الشهداء. تعود الذكرى لتصدم اللبنانيين الذين يرفضون تزوير التاريخ، وتذكّرهم بذلك اليوم الأسود الذي سقطت فيه آخر معاقل الشرعية تحت جنازير الدبابات السورية، نتيجة نرجسية رجل عشق السلطة حتى العبادة. هناك، تجلّت البطولة بأبهى صورها، وانكشفت الخيانة بأبشع وجوهها: جنود يستبسلون حتى الرمق الأخير، وجنرال ينجو بنفسه، تاركاً رجاله في محرقة الموت يواجهون مصيرهم وحدهم.
ذلك القائد الذي ملأ الدنيا صراخاً بشعاره: «تستطيعون سحقِي ولا تأخذون توقيعي»، لم يصمد طويلاً قبل أن يجفّ حبر شعاراته. فسقطت الأقنعة بسرعة قياسية، وانتهى به الأمر إلى توقيعٍ يناقض كل ادعاءاته. يروي ألبير منصور، وزير الدفاع آنذاك، في كتابه «موت جمهورية»: «مساء الجمعة 12 تشرين الأول 1990، وقّع ميشال عون وثيقة من تسعة بنود يعترف فيها برئاسة إلياس الهراوي وبشرعيته». وقد أقرّ عون نفسه بصحة الوثيقة وتوقيعه عليها، في حديث إلى جريدة «الحياة» عام 1992. وبين الشعار الصاخب والتوقيع الصامت، تتجلّى الهوّة بين ابطال استشهدوا في الميدان ولم يركعوا، وجبان ينهار عند أول امتحان.
في ضهر الوحش والدوار وسوق الغرب وبيت مري، روت دماء الأبطال تراب الوطن دفاعاً عن كرامة أُهدرت بقرارات عشوائية من القيادة. أُبيدت الكتيبة 102 عن بكرة أبيها، وسقط المغاوير تحت جنازير الدبابات، وقاتل تلامذة الحربية حتى الرصاصة الأخيرة. هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون، لا الذين يتصدّرون الشاشات اليوم بأكاذيبهم، ويبيعون البطولة في سوق النخاسة السياسية. وها هم ورثة تجّار الهزائم يواصلون نهج التبعية والارتهان، كأنّ دماء الشهداء لم تكن كافية لتعليمهم معنى السيادة والكرامة.
لم تتوقف المأساة عند الهزيمة العسكرية، بل امتدّت إلى تزوير الذاكرة واستغلال الشهادة. تحوّل 13 تشرين إلى مناسبة للمزايدات، يُستحضر فيها الألم للتغطية على الفشل، وتُستثمر الدماء لتلميع صور انتهازيين لا تربطهم بالتضحية سوى محاولات الاستيلاء على مجدها. أولئك الذين لم يحملوا بندقية ولم يخوضوا معركة، نصبوا أنفسهم ورثةً للشهداء وأوصياء على ذكراهم، منتحلين بطولة لم يصنعوها. فليس كل من رفع صورة شهيد صار شريكاً في بطولته، ولا كل من اتّخذ من دمه شعاراً اكتسب حقّ الكلام باسمه.
الذين قاتلوا واستُشهدوا لم يفعلوا ذلك طمعاً بكرسيّ أو سعياً إلى زعامة؛ قاتلوا لأنهم آمنوا بواجبهم، ودفعوا حياتهم ثمناً لقناعاتهم. أمّا تجّار الذكرى، فيفرغون الشهادة من معناها، ويختزلونها في مهرجان خطابي. ومن وضع يده بيد من اجتاح لبنان بالأمس، ثم عاد ليتاجر بدماء من سقطوا في مواجهته، لا يملك حقّ احتكار الحديث باسمهم. ومن غرق في مستنقع الفساد والارتهان، لا يحقّ له أن ينصّب نفسه وريثاً لتاريخ كتبه الشرفاء بدمائهم.
13 تشرين ليس نصراً يُحتفل به، بل نكبة وطنية وجرح غائر في جسد لبنان. إنه يوم سقوط مدوٍّ، لا يوم مجد؛ وذكرى تستوجب المحاسبة، لا التباهي. فالهزيمة لا تُكرَّم، بل يُسأل عن أسبابها ويُحاسَب المسؤولون عنها، كي لا تتكرّر. في الدول التي تحترم كرامتها، لا يتحوّل القائد الذي أخفق في حماية رجاله إلى بطل أبدي، ولا يُعاد تقديم الهزيمة على أنها انتصار.
إن عظمة الشعوب تُقاس بشجاعتها في محاسبة المسؤولين عنها. فالشعب الذي يعجز عن محاسبة قائده الذي ترك جنوده فريسةً للموت وفرّ هاربًا، ثم يمنحه فرصةً جديدةً للحكم، لا ينبغي له أن يتفاجأ بتكرار الكارثة بأسماء وشعارات مختلفة. ومن يحوّل نكبة الماضي إلى مهرجان انتصار اليوم، لا يزوّر التاريخ فحسب، بل يمهّد الطريق لهزائم متكررة.
اتركوا الذكرى لأصحابها الحقيقيين؛ للذين سقطوا بصمت، ولم يطلبوا مقابلًا لتضحياتهم، وتركوا أسماءهم محفورةً في ذاكرة الوطن. دعوا الأبطال يرقدون بسلام، ولا تحوّلوا قبورهم إلى منصّات لخطاباتكم الجوفاء ومصالحكم الخبيثة.