"ما كان..." لنرمين الخنسا: أدبٌ يرمّم الذاكرة وينبش أسئلة النجاة

4 دقائق للقراءة
غلافا الكتاب

توقّع الأديبة نرمين الخنسا روايتها "ما كان..." في "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، ضمن جناح "دار سائر المشرق"، يوم الجمعة المقبل، في 16 تشرين الأول 2026، من الساعة 5:15 عصرًا حتى الساعة 7:00 مساءً، مباشرة بعد الندوة الخاصة بالرواية، التي تنعقد الساعة 4:15 بعد الظهر.

حين يغدو الماضي صوتًا خافتًا ينبض تحت ركام السنين، تأتي رواية "ما كان..." (الصادرة عن "دار سائر المشرق"، 2026) للكاتبة والروائية اللبنانية نرمين الخنسا، لتفتح نافذة أثيرية على أغوار النفس البشرية في مواجهة الفقد والتجاوز.

تنسج الخنسا في عملها الجديد رحلة نفسية شائكة، بطلتها "نورهان"، المترجمة التي تعيش بين دفّتَي الكتب وتلافيف اللغات، محاولةً بصمت العبور من عتمة الخسارات والانكسارات المتتالية إلى رمق النجاة. غير أن الهدوء الهش الذي تشيّده نورهان يتبدّد فجأة حين تبدأ رسائل قصيرة وغامضة، مجهولة المصدر، بالوصول إليها. وهذه الرسائل مدجّجة بتفاصيل حميمة لا يملك سرّها أحد سواها.

تضع تلك الرسائل البطلة في مهبّ التيه، بين الحب والهوس، والوحدة والوهم، لتقف مشدوهة أمام السؤال الأعمق والأكثر إرباكًا: من يكتب حياتنا فعليًا؟

تتجلّى في "ما كان" براعة الكاتبة في اشتغالها على البعد النفسي للشخصيات، إذ لا تقف الرواية عند حدود الحكاية، بل تتجاوزها لتصبح تشريحًا بليغًا للذاكرة حين تقرّر أن تستفيق من دون إنذار. وهذا سرّ الكاتبة الذي تجلّى في أعمالها السابقة، التي اتسمت بصدق التعبير وبراعة إيصاله إلى المتلقّي من دون الوقوع في التكلّف. فيتماهى أسلوب الأديبة مع أبعادها الروحية والإنسانية، التي تأبى الانفصال عن ذاتها الحقيقية، ليشكّلا معًا وحدة عضوية بين نرمين الكاتبة ونرمين الإنسانة، المؤمنة بتوظيف قيمها الناصعة في خدمة النص.

ومن يريد العبور إلى الضفة الأخرى للكتاب، أي إلى العمق السحيق للنفس الإنسانية، سيجد نفسه في رحلة أثيرة، وثيرة، شائقة وممتعة، إذ تأخذه الكاتبة برفق وحنوّ إلى حيث ينبثق فجر آخر للبوح.

وفي الطريق المزدحم إلى الروايات، تختار نرمين الخنسا جسرًا غير مرئي لتعبر منه إلى الوجهة الأجمل والأنقى، الأقرب إلى نقاء سريرتها وفرادة شخصيتها الأدبية. فتأتي هذه الوثيقة الأدبية الزاخرة بالجمال والعمق امتدادًا لمسيرة روائية وثقافية حافلة للكاتبة، التي تشغل حاليًا منصب أمينة سر "النادي الثقافي العربي".

وللخنسا نتاج غزير ومتنوع أثرى المكتبة العربية، بدءًا برواياتها البارزة: "هذيان ذاكرة" (2005)، الصادرة في طبعتَين عن "الأكاديمية اللبنانية للكتاب" و"دار سائر المشرق"، و"ساعة مرمورة" (2008، "دار الساقي")، و"نصيبك في الجنة" (2013، "الدار العربية للعلوم ناشرون")، و"شخص آخر" (2015، "دار سائر المشرق")، التي حظيت باهتمام نقدي وأكاديمي لافت، ونُشرت حولها دراسة نقدية في المجلة العلمية لـ"جامعة الأزهر" في أسيوط؛ وصولا إلى مجموعتها القصصية "وهم" (2021، "دار أبجد" - العراق)، وتجربتها المتميزة في أدب الأطفال عبر قصة "يامن وسر الكنز" (2024، "الدار العربية للعلوم ناشرون").

تُرجمت أعمال الخنسا إلى عدة لغات أجنبية، وأُدرجت مؤلفاتها في المناهج المدرسية وأطروحات الدراسات العليا في "الجامعة اللبنانية". وتقديرًا لحراكها الثقافي الرفيع ونتاجها الأدبي المرموق، ضمّتها "الجامعة اللبنانية الأميركية" إلى مجموعة "السيدات المميزات في لبنان".

إلى جانب هذا الأثر الإبداعي، تركت الخنسا بصمة تنظيمية فارقة في المشهد الثقافي العربي، من خلال إدارتها وتنظيمها العديد من المؤتمرات والفعاليات البارزة في "النادي الثقافي العربي" و"معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، عبر ترؤسها اللجنة الثقافية في النادي لسنوات.

تؤكد نرمين الخنسا، إذًا، من خلال رواية "ما كان"، أن الحرف قادر دومًا على أن يكون ملاذًا للنجاة وسلاحًا في وجه النسيان، وأن الحكاية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة من الكتاب، بل تبدأ من هناك، من لحظة انتهاء الراوي من سرد الذات القلقة، التي تتحوّل إلى فضاء آخر من السكينة والسلام.