رفيق خوري

كل هذه الأدوار كل هذا الفراغ

3 دقائق للقراءة
آثار دمار في جنوب لبنان (أ ف ب)

على مدى ثلث قرن كان لبنان محكومًا من سوريا، وسط احتلال إسرائيلي ومقاومة إيرانية وأدوار أميركية وأوروبية وعربية محدودة. وخلال عشرين عامًا بعد الانسحاب العسكري السوري عام 2005، تعاظم حكم طهران له ضمن مفاخرتها بحكم أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. بعد سقوط نظام الأسد بدا الحكم الجديد بقيادة "هيئة تحرير الشام" السلفية الأصولية قليل الاهتمام بلبنان وكثير الانشغال بأميركا وأوروبا وتركيا والسعودية. أما إیران، فإنها ازدادت تمسكًا بنفوذها هنا ودور "حزب الله" وسلاحه قبل الحرب الأميركية والإسرائيلية عليها وخلالها وبعدها.

دمشق حسمت أمرها في موضوع واحد، هو رفض التورط العسكري لمحاربة "حزب الله" كما طلب الرئيس دونالد ترامب حتى خلال محادثاته في البيت الأبيض مع الرئيس جوزاف عون، والباقي موقف بين: شيئ من علاقات من دولة إلى دولة، وشيئ من إغراء العودة إلى الدور التقليدي السوري مع الأطراف اللبنانية الراغبة في الأمر. وطهران أكدت أن حرب لبنان هي جزء من حربها ضد أميركا وإسرائيل وقصفها لدول الخليج والأردن، وأن "الحزب" تحت عنوان لبنان حاضر في أي صفقة مع أميركا.

وهذا كله جانب من مشهد الأدوار الإقليمية والدولية التي ييادر بها أصحابها وتلك التي يطالب بها اللبنانيون. فلا بلد في العالم يبحث عن أدوار فيه و يکاد ینسى دوره أكثر من لبنان. ولا شعب تفاخر نخبته السياسية بضمان أدوار خارجية أكثر من اللبنانيين. فالرهانات على دور سوري ودور ترکي ودور إیراني ودور سعودي ودور قطري ودور مصري ودور أميركي ودور فرنسي ودور بريطاني ودور إيطالي ودور ألماني ودور إسرائيلي أكبر مما تريده أو تستطيعه عواصم تلك الدول. والأحاديث المحلية عن الأدوار الخارجية تبدو عادية كأنها أحاديث عن توازن قوى ومصالح في لبنان قبل المنطقة.

وإذا كان بلد الأرز ضحية احتلال جغرافي إسرائيلي وطغيان اجتماعي إيراني، هما عمليًا تعبير عن مشاريع جيوسياسية واستراتيجية، فإن أوزان القوى الأخرى ولو كانت كبيرة لن تصحح الخلل في التوازن المحلي، ولا الضعف في الوزن الوطني. وأكبر مشكلة هي أن تصبح كل قضية داخلية مسألة خارجية، وكل صراع خارجي صراعًا داخليًا.

وليس البحث الشاق المتسارع عن بديل من القوات الدولية التي قرر مجلس الأمن إنهاء مهمتها في نهاية العام الحالي بعد 48 سنة من تفويضها على مرحلتين، سوى تعبير عن الشعور بالفراغ والحاجة الدائمة على دور الأمم المتحدة، إلى جانب کل الأدوار الخارجية الممكنة. والتوقيت مربك ومحرج حيث الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة واتفاق الإطار يراوح في المكان، قبل الحديث عن انتظار الانتخابات النيابية في إسرائيل وانتخابات الكونغرس النصفية في أميركا.

فضلا عن أن الفارق كبير بين البديل من "اليونيفيل"في مرحلة الصراع مع إسرائيل وعجز الدولة عن استعادة قرار الحرب والسلم وفرض حصرية السلاح بيدها، وبينه في مرحلة اتفاق على "إنهاء حال العداء" أو توقيع سلام كامل. و"اليونيفيل"نفسها، على افتراض التمكن الأوروبي من التمديد المطلوب لها محليًا وعربيًا كما من روسيا والصين، ليست قادرة على ملء فراغ السلطة في الجنوب، حيث الاحتلال الإسرائيلي وسلاح "حزب الله" الجاهز لمواجهة الاحتلال وإسناد إيران في حرب تلوح بها طهران ويهدد بها ترامب وبنيامين نتنياهو، والتخوف اللبناني من زيادة مساحة الاحتلال وتوحشه. حتى في قضية تتعلق بدار الفتوى ومفتي الجمهورية اللبنانية، فإن البحث عن حل يطرق أبواب دولتين عربيتين.

"نحن نعيش في عالم مشاكله كونية وحلوله وطنية" كما تقول آن ماري سلوتر. لكن قدرنا العيش في بلد مشاكل وطنية وحلوله كونية.