يوسف طراد

الانتظار الأسطوري في رواية "غزلان الخليج"

5 دقائق للقراءة
غلافا الكتاب

دائمًا يأتي الانتظار بعد الفراق، وتعود معه حكايا كثيرة من الماضي عن الحبّ. ففي الميثولوجيا القديمة، يتّخذ الانتظار صورًا خياليّة في غاية الجمال، وأحيانًا في غاية القسوة. فقد انتهى انتظار بينيلوبي لأوديسيوس بعودة الأخير، وتداخلت في حكايتهما المغامرة مع المصائر الغامضة، وبقي الحبّ. ولم يكن الغياب وحده بطل هذه الأسطورة، بل كان الانتظار، بما يحمله من ترقّب وأمل وخوف من المجهول، خيطًا ناظمًا لمصائر المحبّين.

وفي وطننا العربي، النازف من الاضطرابات والحروب والمذابح والأحزان، قد يكون من المريح أن نهرب إلى الكتب، لا لننسى واقعنا، بل لنفهم بصورة أفضل الانتظار الكامن في أعماقنا: انتظار الحبيب، وانتظار الحرب، وانتظار التئام الجراح المجتمعيّة المنسيّة. وها هي رواية "غزلان الخليج" لفلك الشام تجعلنا، مع كلّ صفحة، ننتظر مآل الأحداث، إلى أن نجد أنفسنا أمام انتظار لا ينتهي، فنجلس إلى جانب "جيوان"، بطلة الرواية، نواسيها وننتظر معها حبيبها "مبارك" الذي لا يعود. فقد حوّل الثأر والوعد رحيله إلى غياب أبدي، وبقيت "جيوان" معلّقة بين الانتظار والأمل في لقائه، فيما لا يمنحها البحر حتى يقين الفقد.

وفي هذا السياق، تلتقي فلك الشام، في روايتها "غزلان الخليج"، مع عدد من الأساطير، منها أسطورة بينيلوبي التي جعلت الانتظار محورًا لحكاية الحبّ والوفاء. غير أنّ الانتظار في روايتها لا ينبع من الفراق وحده، بل من وعدٍ قطعه الحبيب على نفسه، ورحيلٍ اختار أن يخوضه وفاءً بذلك الوعد. هنا يصبح الوعد بداية الانتظار، ويغدو الانتظار امتدادًا للأمل، فيما تصبح التضحية ثمن الوفاء بالوعد وأمل اللقاء. وبين الأسطورة والواقع، تتشكّل حكاية إنسانيّة تتأرجح بين أمل اللقاء والخوف من الفقدان، وتترك الحبيبة معلّقة بين أمل العودة ووجع الغياب.

الإنسان، منذ وُجد على هذه الأرض، يسعى إلى الحرية والكرامة، ويرفض أن يكون عبدًا لغيره، ويتمسّك بأرضه وهويّته، كما يتمسّك بحقّه في الحبّ والحنان والعيش الكريم. وقد اختلفت المدارس الأدبيّة في مقاربتها للحياة والإنسان، لكنّها التقت في تصوير معاناته وما يعتمل في داخله من رغبات ومخاوف وانتظارات. فقد أثارت رواية "غزلان الخليج" حقائق مؤلمة في نفس قارئها، وجعلته يعي تضحيات فرسان الخليج، ويلهث كالغارق سعيًا إلى تحسّس المأساة والعيش في تفاصيل الكوارث التي يجلبها الغرباء عن الوطن. وقد عرضت الرواية صخب الحياة وفجورها على سفينة القراصنة الإسبان، في مقابل الحياة في الصحاري والبحار المفتوحة، بما تحمله من كرامة وعزّة نفس وحبّ صادق، على الرغم من الخلافات بين القبائل والعشائر العربيّة التي وحّدها المصير في مواجهة الغزاة.

هذه الرواية حزينة وموجعة، وتستحقّ بجدارة وصفها بالعمل الدرامي. تدور أحداثها في صحارٍ وبحار تمزّقها عواصف النفس البشريّة، في جغرافيا صعبة لا مفرّ من أن تترك أثرها في نفس القارئ. لكنّ الرواية تظلّ مضيئة بالأمل، كالأمل الذي يشعّ من وجوه شبابها ومن عزمهم، وهم المليئون بالطموح إلى لقاء المحبّين، بعد أن خطف القرصان "خوسيه" حوريّة الأعماق "جيوان". وكان الحبّ مضيئًا في كلّ لقاء للعشّاق في قصّتين منفصلتين، لكنّهما اختلفتا في نهايتيهما. فقصّة "مطر ونجود" بدأت في جوّ من الحقد بين القبائل، على الرغم من لقاء العاشقين مرارًا، وانتهت بزفاف وفرح، أمّا قصّة "جيوان ومبارك" فانتهت بفراق وانتظار. تقول الكاتبة: "لم يسمع مبارك صراخ جيوان، وحتى لو سمعه فلن يعود، وعدها برأس خوسيه مهرًا في يوم زفافها، وما تعوّد أن ينكث بوعده" (صفحة 217).

جعلت فلك الشام تراجيديا العرب في غابر الزمان استعراضًا أدبيًّا للمآسي، كما جعلت القارئ لاهثًا وتعيسًا، تغريه سطوة الكارثة وتدفعه إلى متابعة الرواية لمعرفة نهايتها. وقد استندت إلى حكايا الناس وإلى المحاكاة التي منحتنا فرصة العيش في ثنايا الأحداث الروائيّة. وأسهمت أسطورة الطائر الأزرق في إضفاء طابع أدبي شيّق ومهمّ ومتجذّر في التراث الأدبي على الرواية.

رواية "غزلان الخليج" دوّنت معاناة صيد اللؤلؤ في الخليج العربي في قرون مضت، وحفظت تفاصيل تلك المعاناة في ذاكرة الكتاب والقرّاء كي لا تضيع. وكانت تضحيات الشهداء وشهادات الناجين من الحرب أقدر على نقل صورة المعاناة، وأثارت فينا الرغبة في تلمّس أبعادها.

وامتازت الرواية بالسرد الجميل الذي أضفى على الوصف رونقًا، ولم يقتصر الوصف على تصوير الحلم الجميل، بل امتدّ إلى حكايا جسّدت معاني الحبّ والوفاء والتضحية والدفاع عن الأرض والمقدّسات. ومن المأساة برز ذاك الفرح الأصيل المتوهّج على الصفحات، يرسم المعالم والمصائر، فتتحوّل الصحراء جنانًا والبحر جنّة. وهذا مقطع من الرواية يبرز جمال السرد الذي يميّزها من بدايتها إلى نهايتها: "يخرج حافر خيل جيوان من الرمل كما يخرج السيف من لبّ طعنته، ليتجمّع في ندبة أثره القليل من ماء البحر الهارب من سطوة الأمواج. ترسم حوافر خيل جيوان مع خيل مبارك في ليلة قمرية نقشًا متناسقًا على رمل الشاطئ، وكأنّه عقد مقطوع من عنق حوريّة تلاعبت بها مزاجيّة المدّ والجزر" (صفحة 36).

تقمّص الانتظار صورًا مختلفة، من الخليج إلى المطار، بين بداية الرواية ونهايتها، فهل قالت لنا فلك الشام إنّ الأزمنة متشابهة ما دامت هناك أطماع في ثروات الأوطان؟