"في حقده يعيش، وفي حقده سيموت". هكذا يصف أحد الدبلوماسيين الغربيين رئيس "التيار الوطني الحرّ" النائب جبران باسيل، فالرجل بنظر الدبلوماسي "شعلة ذكاء شرّير"، وفي تفسيره لهذه العبارة يقول الدبلوماسي: "لو استعمل باسيل مستوى ذكائه للخير العام لحصل على جائزة نوبل للسلام". ولكن لماذا يُجمع من يعرفون باسيل على ذكائه وشرّه معًا؟
في تجربتي الخاصة معه، أعرف الجانبين، فقد وقفت إلى جانبه يوم ظُلم في ثورة 17 تشرين، وتمّ اختياره من بين آخرين باعتباره مسؤولا عن انهيار لبنان، فرفضت وضع رأسي بين الرؤوس، واعتبرت باسيل جزءًا من منظومة الفشل والفساد، وليس المسؤول الوحيد عنهما، واستطعت بحكم التواصل الدائم معه التنبّه لذكائه الخارق في تطويق النائب السابق زياد أسود في جزين، وإضعاف النائب إبراهيم كنعان في المتن، وإحراج النائب الياس بو صعب تمهيدًا لإخراجه، وضرب صورة ألان عون الوريث الشرعي للجينات العونية، وتشويه تاريخ سيمون أبي رميا ونبيل نقولا وحكمت ديب، ناهيك عن الكثير من "الحيل" التي أبقت جبران رئيسًا للتيار ولو وحيدًا بين مُفلسين. أمّا شرّه المباشر فاختبرته أيضًا يوم قرّر استعمالي في انتخابات المتن الشمالي عام 2022 ولم ينجح.
هذا على المستوى الشخصي، أمّا على مستوى الوطن، فلمن أعطى الحظّ في لبنان حصّة باسيل؟ من "توفيقة" الزواج ومصاهرة بائع الأوهام الرئيس الأسبق ميشال عون، إلى صاحب رئيس أكبر كتلة نيابية والوزير الذي عطّل البلد سنوات وسنوات كرمى لتوزيره.
من يذكر كيف كان باسيل حديث الجميع وصديق الجميع وصلة الوصل بين الخصوم، والوحيد القادر على الوقوف بوجه رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، كونه يحظى بغطاء الأمين العام الأسبق لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله؟
من يذكر جريمة الشوف يوم قرّر تحدّي البيك ودخول الجبل على صوت أزيز الرصاص ورائحة الدماء، وفي الوقت نفسه شهر شعار رفض نبيه برّي في جزين المسيحية؟
من يذكر كيف استغلّ "أوعا خيّك" لإيصال عون إلى بعبدا، ثمّ استجاب لأمر "حزب الله" وضرب الاتفاق مع "القوات اللبنانية" منعًا لإعطاء رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع "ردّة الإجر" إلى قصر بعبدا؟
من يذكر يوم أقفل طريق الشمال اللبناني على رئيس "تيار المردة" النائب السابق سليمان فرنجية، وفاخر علنًا بأنّه لن يسمح له بالعمل السياسي إلّا في زغرتا؟
من يذكر كيف شجّع كنعان وأغراه بالوعود وبالحلم المنشود لصياغة كتاب "الإبراء المستحيل" وضرب صورة الشهيد رفيق الحريري على مستوى لبنان، وبعدها تراجع وأخفى الكتاب نزولا عند اتفاق انتخابي توجّه بموجبه رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري من البترون: "انتخبوا صديقي جبران زيّ ما هيّي"؟
من يذكر يوم انتقد المملكة العربية السعودية ووضع "بيضاته السياسية" في سلّة إيران لأنّ الميزان السياسي يومها كان طابشًا باتجاهها؟
ومن يذكر يوم وضع رئيس جمعية المصارف سليم صفير إلى يمينه، وجدّد لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ففُتحت مصارف للعونيين وعامت الـ OTV بأموال المودعين؟
من يذكر يوم أجبر الوزير الأسبق للاتصالات شربل نحاس على الاستقالة في مشهدية مذلّة لن ينساها التاريخ؟
ومن يذكر يوم وقف إلى جانب "حزب الله" في معركة الطيونة فقط لأنّ خصوم "الحزب" يومها كانوا من "القوات اللبنانية"؟
وهنا موضوع آخر، وهو عقدة "القوات". فباسيل، ومنذ بداية تراجع التيار على المستوى الشعبي وعلى مستوى الحضور الدولي، لا يضع نصب عينيه إلّا "القوات"، وكأنّ "القوات" هي من وضعت عليه عقوبات أميركية بتهمة الفساد، و"القوات" هي من جعلت عهد ميشال عون أسوأ عهد بتاريخ لبنان، و"القوات" هي من وقّعت تفاهم مار مخايل المشؤوم، و"القوات" هي من حاربت التياريين وضربت وحدة البرتقاليين.
ها هم رفاق باسيل القدماء جميعهم خرجوا من عباءة عون، وجميعهم عرفوا أنّ باسيل هو الوريث الشرعي الأبدي لميشال عون، وليست شعارات التيار وما كُتب من قوانين وأُسس سوى "شمّاعة" لانضمام من لا يعرفون الحقيقة، وكلّ همّ باسيل اليوم هو إقناع من بقوا في التيار أنّ من خرجوا منه كانوا على خطأ، وأنّه صاحب رؤية، وأنّه المظلوم، وأنّه الأذكى، في وقت يعرف باسيل أكثر من غيره أنّ التياريين قسمان: قسم اكتشفه ورحل، وقسم سيكتشفه ويرحل أيضًا.
ويعرف باسيل أيضًا أنّ التيار لن ينتهي، لكنّه لن يعود كما كان، فهذا حجمه الطبيعي في ظلّ بحث كثيرين ممّن لفظتهم "القوات اللبنانية" عن منبر وصوت وموقف، لكنّ مواجهة "القوات اللبنانية" في الشارع المسيحي هي بمثابة انتحار، وإذا لم يمت باسيل سياسيًا في أوّل قفزة عن صخرة مار مخايل، فهو حتمًا سيموت وهو يقفز اليوم عن صخرة معراب.
نائب رئيس التحرير