ريشار حرفوش

عندما تعمّم الميليشيا تعليمات حفر الأنفاق في مناطق نفوذها

6 دقائق للقراءة

من ضهر البيدر إلى الرويسات في الفنار، تتكاثر التساؤلات حول الوجهة التي قد يسلكها سلاح "حزب الله" في المرحلة المقبلة، وسط معلومات أمنية تتحدث عن توجّه لدى بعض قياداته إلى البحث عن مواقع بديلة لتخزين الأسلحة والذخائر، بما فيها المستودعات والأنفاق تحت الأرض، تحسبًا لأي سيناريو محتمل يتعلق بمستقبل سلاحه.

وجاء اكتشاف نفق داخل أحد الأحراج الواقعة بين الفنار والزعيترية، بمحاذاة منطقة الرويسات الجديدة، ليفتح مجددًا هذا الملف، خصوصًا أن الحادثة تتزامن مع معلومات خاصة حصلت عليها "نداء الوطن" بشأن توجيهات يُشتبه في صدورها عن بعض القيادات في "الحزب"، لتشجيع مجموعات من المحازبين على حفر أنفاق في مناطق وجودهم.

وفي جديد التحقيقات، أفادت معلومات بأن الكشف الذي أجرته وحدات مختصة من الجيش اللبناني، أظهر أن طول النفق يبلغ نحو 14 مترًا، منها نحو خمسة أمتار عموديًا وثمانية أمتار أفقيًا، وأنه لم يُعثر داخله على أسلحة أو عتاد عسكري، بل على معدات حفر فردية، كذلك أوقف الجيش أحد المشتبه في مشاركتهم في أعمال الحفر، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لتحديد وجهة استعمال النفق.

وإذا كانت هذه المعطيات تنفي العثور على تجهيزات عسكرية داخل الموقع، فإنها لا تكفي وحدها لحسم الغاية من إنشائه، ولا سيما أن النفق قد يكون غير مكتمل، ومن هنا، تبرز فرضية التحضير لاستخدام عسكري محتمل، في قراءة تستند إلى المعلومات الأمنية المتوافرة.

وفي هذا السياق، كشف مصدر عسكري لـ"نداء الوطن" عن معلومات، تشير إلى وجود توجّه لدى بعض القيادات في ميليشيا "حزب الله"، لتشجيع مجموعات من المؤيدين والمنتسبين إلى بيئته، على حفر أنفاق في مناطق وجودهم، بهدف الاستفادة منها لاحقًا في تخزين الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري.

وبحسب المصدر، فإن هذا التوجّه يرتبط بالمخاوف من أي إجراءات أو تطورات، قد تطال مواقع تخزين السلاح التقليدية، ما يدفع إلى البحث عن بدائل أقل ظهورًا وأكثر انتشارًا جغرافيًا.

وتعيد هذه المعطيات إلى الأذهان ما سبق أن نشرته "نداء الوطن" بشأن شحنة متفجرات ضهر البيدر، والمعلومات التي تحدثت عن احتمال لجوء "الحزب" إلى تخزين بعض الأسلحة والمواد العسكرية في مستودعات ضمن مناطق في جبل لبنان، بعيدًا من المواقع التي ارتبطت تاريخيًا ببنيته العسكرية.

وهذا ما يضع حادثة الفنار في سياق أمني أوسع، يستدعي التدقيق في احتمال وجود محاولات لإنشاء مواقع تخزين جديدة تحت الأرض.

وفي قراءة عسكرية لطبيعة أعمال الحفر، كشف عميد متقاعد في الجيش اللبناني، متخصص في الهندسة العسكرية، لـ"نداء الوطن"، أنه سبق أن دخل خلال السنوات الماضية عددًا من الأنفاق التابعة لـ"حزب الله" في جنوب لبنان، واطّلع عن كثب على طبيعة إنشائها وتجهيزها والوسائل المستخدمة في حفرها.

وأوضح أن الأنفاق التي شاهدها اختلفت من حيث التصميم والحجم وطبيعة التجهيزات، وفقًا للتكوين الجيولوجي للأرض، سواء كانت صخرية أو ترابية أو معرّضة للانهيار، مشيرًا إلى استخدام وسائل حفر يدوية ومعدات كهربائية وميكانيكية، إضافة إلى الخرسانة وصفائح الحديد الفولاذية والشبك المعدني والدعامات الحديدية الـTôle لتثبيت الجوانب والأسقف ومنع الانهيارات.

ولفت إلى أن بعض الأنفاق كانت بدائية وتفتقر إلى شروط السلامة، فيما كانت أخرى أكثر تطورًا، وتضم ممرات وغرفًا تحت الأرض، فضلا عن مداخل ومخارج متعددة، واستذكر أن التنقل داخل بعض هذه الأنفاق كان بالغ الصعوبة والخطورة، نتيجة ضيق المساحات واحتمال انهيار التربة أو الصخور، مشيرًا إلى أنه استعان خلال إحدى زياراته بمواكبة عسكرية ضمّت نحو عشرة عناصر.

أما بالنسبة إلى نفق الرويسات – الفنار، فأوضح العميد، استنادًا إلى الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، أن أعمال الحفر تبدو بدائية ولا تزال في مراحلها الأولية، معتبرًا أنه ليس مستبعدًا أن يكون الهدف منها إخفاء ممنوعات أو مواد أخرى، ولا سيما إذا كان القائمون على الحفر يمتلكون خبرة سابقة في إنشاء الأنفاق.

إلا أنه لم يستبعد فرضية استخدام النفق لاحقًا لتخزين الأسلحة والذخائر، متسائلا: "من يستطيع أن يؤكد أن نفقًا يحفر اليوم لغاية معينة لن يُستخدم غدًا لإخفاء السلاح؟"، وشدّد على أن عدم العثور على أسلحة أو ممنوعات داخل النفق لا يحسم بالضرورة الغاية التي أنشئ من أجلها، خصوصًا إذا كانت الأعمال لا تزال غير مكتملة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن تحديد وجهة استعماله يحتاج إلى استكمال التحقيقات.

وفي معرض حديثه عن المدة الزمنية اللازمة لإنشاء الأنفاق، شدّد العميد على أن هذه الأعمال ليست بسيطة ولا يمكن إنجازها خلال أيام أو أسابيع، بل قد تستغرق أشهرًا طويلة، وربما سنوات، وفق طبيعة الأرض وحجم المنشأة ومستوى تجهيزها، واستشهد في هذا الإطار بالمنشآت العسكرية الضخمة التي كشف عنها "حزب الله" تحت مسمّيَي "عماد 4" و"عماد 5"، وما تعكسه من حجم الأعمال الهندسية والإنشائية اللازمة لإنشاء مثل هذه المنشآت تحت الأرض.

واستذكر العميد فترة إقامته في أحد المساكن العسكرية في النبطية لنحو سبع أو ثماني سنوات، كاشفًا أنه كان يسمع بصورة متكررة، ولا سيما خلال ساعات الليل، دوي انفجارات وأصواتًا قوية، قائلا: "كنا نسمع طوال الليل أصوات تفجيرات متكررة، واستمرّ ذلك لسنوات"، وربط هذه الأصوات، في قراءته العسكرية بتنفيذ أعمال حفر وتجهيز لمنشآت تحت الأرض، مشيرًا إلى أن طبيعة بعض الأنفاق التي عاينها لاحقًا تعكس حجم الجهد والوقت اللذين قد تتطلبهما عمليات إنشائها.

وهنا تبرز نقطة أساسية في القراءة العسكرية: عدم العثور على أسلحة أو ذخائر داخل منشأة لا يزال العمل فيها قائمًا لا يشكّل دليلا قاطعًا على أنها لم تكن معدّة لاستعمال عسكري لاحق.


الكنوز وحدها تحت الأراضي الشيعية؟

وفي موازاة المعلومات الأمنية، برزت رواية البحث عن الذهب لتفسير أعمال الحفر، بعدما أعلن رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة أن المعلومات التي تبلغتها البلدية من استخبارات الجيش تشير إلى أن الحفر جرى لهذا الغرض، وليس لأهداف أمنية.

إلا أن هذه الرواية أثارت استغراب المصدر العسكري الذي تحدث إلى "نداء الوطن"، خصوصًا في ضوء المعلومات التي سبق أن حصل عليها بشأن احتمال إنشاء مواقع تحت الأرض لإخفاء العتاد العسكري.

وفي تعليق ساخر، تساءل المصدر: "هل الكنوز موجودة فقط تحت الأراضي في المناطق ذات الغالبية السكنية الشيعية؟".

فإذا كانت رواية البحث عن الكنوز تنتظر ما يثبتها، فإن فرضية الاستخدام العسكري تستوجب تحقيقًا لا يكتفي بما لم يُعثر عليه داخل النفق، بل يبحث أيضًا عمّن حفره، ولماذا، ولأي غاية كان يُعدّ، فليس كل نفق فارغ مشروعًا عسكريًا، لكن فراغه من السلاح اليوم لا يجيب وحده عن السؤال: ماذا كان سيوضع داخله غدًا؟