راكمت الكاتبة زينة صالح كيالي خبرة عميقة في البحث في الإرث الموسيقي اللبناني من خلال عشرة إصدارات باللغة الفرنسية ضمن سلسلة "وجوه موسيقية من لبنان"، التي تتولى إدارتها منذ عام 2011، وتصدرها "دار غوتنر" الفرنسية. وتتناول هذه الإصدارات أسماءً بعضها منسيّ في لبنان نفسه، فيما ذاع صيت بعضها الآخر في موطنه الثاني، على غرار المؤلفين الموسيقيين بشارة الخوري وناجي حكيم وغبريال يارد وزاد ملتقى وتوفيق الباشا وعبد الرحمن الباشا، إلى جانب جورج باز وزكي ناصيف ووديع صبرا وسواهم. وتضمّ السلسلة إصدارًا خاصًا عن "وجوه موسيقية نسائية"، يسلّط الضوء على مجموعة من الموسيقيات والعازفات اللبنانيات، منهن نويمي شمالي وماري قيومجيان في نيويورك، وبشرى الترك في لندن، وجوليا صفير في كولومبيا، وميرنا البستاني وزفارت سركيسيان وسامية حداد فلامنت وديانا تقي الدين ووداد مزنر في لبنان، وسواهن.
قدّمت كيالي إصدارها الأخير لهذا العام، "زكي ناصيف أغنية الأرض"، وهو بحث يغوص في رحلة ناصيف الموسيقية عبر الأناشيد الوطنية والأغنيات الشعبية والموشحات، ليكشف عن ثراء لغته الموسيقية وتنوّعها، ونجاحه في دمج النشيد والأغنية الرومانسية وإيقاعات التراث الشعبي في أسلوب موسيقي مميّز. وتضع كيالي في سلّم أولوياتها، من خلال هذه الإصدارات، إبراز الدور الريادي للموسيقى الكلاسيكية اللبنانية، التي انطلقت مع المؤلف الموسيقي وديع صبرا في مطلع القرن العشرين، وشهدت تطوّرًا لافتًا في مجال التأليف الموسيقي المحلي.
المنسيون والأحياء
في حديث مع "نداء الوطن"، تؤكد كيالي أنها وازنت بين عملها مسؤولةً ثقافيةً في بعثة لبنان الدائمة لدى منظمة "اليونيسكو" في باريس لأكثر من 20 عامًا، وعملها البحثي عن موسيقيين لبنانيين، منهم وديع صبرا. وتشير إلى أنها تلقّت اتصالا من بعض أفراد عائلته، الذين سلّموها ما لديهم من أرشيفه الخاص بعدما استمعوا إلى مقابلة إذاعية لها عنه.
تكاملت لديها معلومات مهمّة عن صبرا تتجاوز كونه ملحّن النشيد الوطني اللبناني، لتشمل، أولا، دوره الريادي مؤسّسًا لـ "الكونسرفتوار الوطني"، وثانيًا، تفرّده بتأليف أول أوبرا باللغة العربية بعنوان "الملكان" عام 1928. وتشرح كيالي أن "خصوصية موسيقاه تتجلّى في المزج بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية وروح الموسيقى الشرقية، علمًا أن صبرا تميّز بابتكاره أول بيانو شرقي يعزف ربع الصوت، ليرافق من خلاله الأنغام التراثية في قالب كلاسيكي".
سعت السير الذاتية التي وضعتها الباحثة زينة صالح كيالي إلى تسليط الضوء على هذه القامات الثقافية المنسيّة في لبنان. فمسيرة بشارة الخوري، مثلا، غنيّة جدًّا، إذ تعزف مؤلفاته أبرز فرق الأوركسترا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ويمتد هذا التوثيق إلى ناجي حكيم، أحد أهم مؤلّفي الموسيقى لآلة الأورغن، والذي تخصّص له فنلندا مهرجانًا سنويًا باسمه، وصولا إلى غبريال يارد الذي وصل صدى موسيقاه إلى السينما العالمية، وزاد ملتقى المعروف بلغة موسيقية مبدعة وصعبة في آن واحد.
لكنّ الأهم، وفقًا لكيالي، أنها رفعت الغبن عن عازفات ومؤلفات لبنانيات، "ذاع صيت بعضهن في الخارج أكثر منه في لبنان نفسه، ومنهن الموسيقية بشرى الترك، التي حرص قائد الأوركسترا البريطاني السير سيمون راتل على تخصيص محطة لمؤلفاتها ضمن برنامج حفلاته في مهرجان الفن الغنائي بإحدى المقاطعات الفرنسية، ما يعكس أهمية ما ابتكرته في الموسيقى".
الرئيس والموسيقي
لا تخفي كيالي استغرابها من ردّ فعل بعض من يبادرون إلى سؤالها عن مهارات رئيس الجمهورية الأسبق بشارة الخوري، التي تجمع بين السياسة والتأليف الموسيقي. فتسارع إلى تصحيح هذا الالتباس، موضحةً أن المقصود هو بشارة الخوري، المايسترو المخضرم المقيم في باريس، الذي انخرط في عالم الموسيقى طوعًا، ولا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد.
من جهة أخرى، تردّ الكاتبة والباحثة زينة صالح كيالي على بعض منتقدي أسلوبها الصحافي في الكتابة، مقارنةً بالأسلوب الموسيقي البحثي، فتقول: "اعتماد الأسلوب الصحافي ليس تهمة، طبعًا. أدعو من له اقتراح أفضل مما أقدّمه إلى أن يبادر بالكتابة. ما قدّمته هو مدخل لتطوير البحث المرتكز على إجراء المقابلات والتواصل الهاتفي مع الشخص المعني، إن كان حيًّا، ومع محيطه العائلي والمهني، والاستفادة مما يتوافر لديه أو عنه من أرشيف خاص، وما تناولته وسائل الإعلام عنه طبعًا".
كما تأسف لأن محاولتها تعريب إصداراتها الفرنسية اصطدمت باشتراط دار النشر أن تتولّى شخصيًا توفير التمويل اللازم لتغطية تكاليف الترجمة، ما أوقف المشروع حتى إشعار آخر.
إصدارات ومبادرات
نسألها عن جديد سلسلة "وجوه موسيقية من لبنان"، فتجيب: "وقّعت سيلفيان مخيبر في لبنان كتابها الصادر عن "دار غوتنر"، والذي تناولت فيه تجربة والدتها، المغنّية الأوبرالية سامية ساندري. كما تعدّ السيدة نينا سكّر كتابًا عن سيرتها وسيرة زوجها توفيق سكّر في الموسيقى والحياة".
ختامًا، تتوقّف زينة صالح كيالي عند الحصاد الوفير لعملها الثقافي، الذي يشمل أيضًا تأسيس "مركز التراث الموسيقي اللبناني" في "مدرسة سيدة الجمهور" عام 2012. ويضمّ المركز أرشيفًا لعدد وافر من الموسيقيين اللبنانيين، وهو متاح للباحثين في هذا المجال. ويشمل حصادها أيضًا إطلاق مهرجان "موسيقيات لبنان" في باريس، الهادف إلى نشر الموسيقى الكلاسيكية المحلية من خلال حفلات عدّة في فرنسا، من بينها حفلة تكريمية بمناسبة مئوية جورج باز.
كما تشير إلى أن روزنامة "بيت التباريس" في الأشرفية، الذي انطلق عام 2022، تهدف إلى تطوير مهارات الموسيقيين الشباب في لبنان من خلال تنظيم صفوف "ماستر كلاس" بإشراف أسماء رائدة، مثل غبريال يارد وناجي حكيم وعبد الرحمن الباشا، الذي تقول عنه: "ننتظره بفارغ الصبر في نيسان المقبل، بعدما كان ضيفنا مرات عدّة في الأعوام الماضية".


