رفيق أبو غوش

وجهٌ لمرايا العِشق في لوحة الرسام شوقي دلال

24 شباط 2021

02 : 00

اللوحة في الحقيقة لوحتان، تشطرها رؤية الفنّان إلى شطرين لا يشبه أحدهما الآخر، وإن كانت اللوحة بكلّيتها تمثّل وجه امرأة تتناوب عليه أحوالٌ وحالات: العشق، الشّبق، الرّغبة، التّأمل، البساطة، التّحرّر، الأمل والتّفاؤل. فالوجوه كلّها قابلة للتشويه والتّجميل والتّقبيح. فغادروا وجوهكم قبل أن تراها ريشة الفنّان التّشكيلي، وتمسك هذا القناع الذي يتغيّر ويتبدّل وفاق الحال النفسية للفنّان.

وفنّ رسم الوجوه (البورتريه) يعود إلى بدايات البشرية حين كان الناس يرسمون الوجوه ويمثّلون بها، ويرسلون الرسائل من خلالها، ويعبرون عن حالاتهم المختلفة. إلا أن ثقافة رسم الوجوه لم تتبلور قبل عصر التّنوير الأوروبي وبخاصّة الإيطالي مع لوحة الموناليزا التي اختصرت بابتسامتها زوال عصور الهيمنة الدينية والذّكورية البغيضة، والتي حاولت إيصال رسائل جاءت بخلاف وصايا الكنيسة وممثّلي الآلهة. فالوجوه أدوات حوار غير مباشر، وهي مرآة الشّعور، ومن خلالها نرى جمال الخالق وعظمة صنعه. والوجه هو الواجهة والطريق والوجهة وماء الوجه. وإظهاره بهذه الجرأة دلالة على نشدان التّحرر، وردّ على حالات العنف والعنصرية والرعب الذي يجتاح العالم. وما إظهار هذا الوجه بتقاسيمه وهندسته وخطوطه المنظّمة إلا دعوة إلى اختراق المنمّط، ودكّ أسس الأبوية الشّرقية، واعتبار المرأة وجهاً صارخاً للسير بالأحلام وبالأشياء الجميلة.

وإذا ما عدنا إلى تفاصيل اللوحة لرأينا أن العيون المفتوحة والبارزة نافذة على المستقبل. فالعين الكبيرة تدل على اليقظة، والجاحظة تدل على الذّكاء، والغائرة تدل على البساطة، والواسعة على سعة النظر، والعين الطويلة تدل على الفراسة. أما العين المسيّجة بالحاجب على الجهة اليمنى فتؤشّر إلى وظيفة تواصلية إبلاغيّة يتم من خلالها تأمين لغة التّواصل والتّعبير عن المشاعر ونقل الرسائل الاجتماعية وذلك برفع الحواجب أو تقطيبها. والحاجب الكثيف دليل على السّلطة والهيئة الاجتماعية والعدوانية. إلا أن المُرسلة تبقى ناقصة بانتفاء وجود الحاجب فوق العين اليسرى حيث لا حماية، والوظيفة المناطة به غير مؤمنة، والأرضية رخوة تسنده "إنانا" الفنان من الأسفل لتعوض النقص الحاصل في الوظيفة، ولتوصل رسالة من خلالها.

وتنتفي العفوية في أرض اللوحة وفي خطوطها، ففيها رسالة يريد الفنان أن تصل إلى خارج حدود اللوحة. فالرؤية الجمالية هنا تنتظمها خطوط طولية تخترق الوجه من الأعلى إلى الأسفل من دون أن تعبر الشفتين اللتين تؤشّران إلى الشّبق واشتعال نار الرّغبة في جرأة واضحة، ودعوة إلى التّحرر وإيصال رسائل إجتماعية كون المرأة خالقة تشارك الخالق في استمرار بقاء النّوع البشريّ. أمّا الأنف المسنن فخروج من الوظيفة المرجعية التي له إلى فعل المشاركة في كتابة رقيم الحرية والرسالة التي تتراصف الحواس لإبرازها.

أما الألوان والتي يتصدّرها اللون الأخضر لون الخصوبة والحياة فتتذاوب في بعضها وتنصهر من دون أن تفقد نضارتها لتتجمّع في أسفل اللوحة وتشكّل أرضية بنفسجية تدل على الزّهو والفرح. فاللون البنفسجي يدل على الذّكاء وتحقيق النّجاحات والأحلام والرؤى المستقبلية. وقد تجمّع هذا اللون في الأسفل وطوّق وجه المرأة بإطار من الثّقة بالنّفس وبالتفاؤل بمستقبل تكون المرأة فيه صوت السّلام والحقيقة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.