على شاطئ بيروت، حيث يلتقي البحر بالأفق، وتحمل الأمواج حكايات مدينة لا تكفّ عن النهوض، يستعدّ كرسي أزرق من نيس الفرنسية بنسخة بيروتية ليحجز مكانه في ذاكرة العاصمة، لا بوصفه عملا فنيًا فحسب، بل رمزًا للصداقة والأمل والقدرة على الحلم رغم الصعاب. غدًا الثلثاء 27 تشرين الأول 2026، يُفتتح العمل الفني "كرسي ساب – بيروت" (La Chaise de SAB – Beyrouth)، عند الساعة 10:45 صباحًا على كورنيش عين المريسة، قبالة البحر، برعاية السيدة الأولى نعمت عون.
يبلغ ارتفاع المجسّم الفني "كرسي ساب – بيروت" نحو خمسة أمتار، وتزيّن قاعدته قطعة من الرخام اللبناني، فيما تمنحه خريطة لبنان المدمجة في تصميمه هوية تتجاوز حدود الجمال إلى معنى الانتماء. والمبادرة من تنظيم شركة "Blue Shores International"، في إطار رؤية تجمع الفن والسياحة والتبادل الثقافي.
انطلقت فكرة المشروع بعدما عرّفت جيرالدين غسطين شريكها في الأعمال، صاحب المبادرة رودولف ملكي، إلى الرسامة والنحاتة الفرنسية سابين جيرودي (Sabine Geraudie)، المعروفة باسم "SAB"، فاقترح عليها نقل تجربة "الكرسي الأزرق" إلى بيروت، وتفاعلت الفنانة مع الفكرة بحماسة. ويؤكد ملكي، في حديثه مع "نداء الوطن"، أنّ الهدف لم يكن استنساخ معلم فني، بل إنشاء رمز للصداقة الفرنسية - اللبنانية والصمود والأمل، يعبّر عن إيمانه بأن لبنان يستحق الاحتفاء بتراثه وجماله وإبداعه وقدرته على صناعة المستقبل.
هوية وكفاءات محلية
أُنجز العمل بإشراف الفنانة سابين جيرودي وبموافقتها، مع الحرص على الحفاظ على أصالته الفنية وإضفاء لمسة لبنانية مميّزة عليه، تجلّت في القاعدة الرخامية واللون الأزرق المشرق، فيما زُيّن ظهر الكرسي بخريطة لبنان التي تتوسّط ثلاثة خطوط. ويرى ملكي في الميل الطفيف للكرسي انعكاسًا لصمود اللبنانيين وتمسّكهم بالأمل رغم الصعاب، معتبرًا أن قيمته تتجاوز جماله إلى ما يحمله من معاني الانتماء والفخر.
مساحة للجميع
عن سبب اختيار كورنيش عين المريسة ليكون موقعًا لنصب الكرسي، يقول رودولف ملكي إنّ ذلك جاء انطلاقًا من الرغبة في وضع العمل ضمن فضاء عام مفتوح، يتيح للجميع الاستمتاع به والتفاعل معه، بعيدًا عن القيود المرتبطة بالأماكن الخاصة، معربًا عن تقديره لمحافظ بيروت القاضي مروان عبود، ورئيس البلدية إبراهيم زيدان، وفرق العمل التابعة لهما، على تعاونهم في إنجاز المشروع.
أما في ما يتعلّق بالسلامة والصيانة، فيشير ملكي إلى أنّ بلدية بيروت ستولي اهتمامًا خاصًا بسلامة الكرسي، بالتوازي مع إجراء معاينات دورية وتنفيذ أعمال الصيانة اللازمة، مشددًا على أهمية المسؤولية المدنية المشتركة في الحفاظ على الممتلكات العامة.
آفاق مستقبلية
ويأمل ملكي أن يشكّل المشروع الفني نقطة جذب ثقافية وسياحية جديدة لبيروت، تُسهم في تنشيط التصوير والتغطية الإعلامية والأعمال المحلية، وتقديم صورة عن لبنان بوصفه بلدًا للإبداع والانفتاح، مشددًا على أن الثقافة ليست ترفًا مؤجّلا إلى ما بعد التعافي الاقتصادي، بل يمكن أن تكون إحدى أدواته.
ويكشف أن طموح "Blue Shores International" يتجاوز هذه المبادرة إلى تطوير مشاريع مستقبلية في الفن العام وفنون الطهو والسياحة والتبادل الثقافي، وتعزيز التعاون بين لبنان وفرنسا وأوروبا، بما يتيح إبراز المواهب اللبنانية وتوسيع حضورها دوليًا. ويختصر ملكي رسالة المشروع بتحويل الفن إلى مساحة مشتركة تجمع الناس، وتؤكد قدرة بيروت على التجدّد والانفتاح، وتعيد التأكيد على أن الثقافة جسر للصداقة والأمل وصناعة المستقبل.
الفن يجمع
من جهتها، تؤكد الرسامة والنحاتة الفرنسية سابين جيرودي، صاحبة العمل الفني الأصلي في فرنسا، أن انتقال كرسيها الأزرق من نيس إلى بيروت لا يمسّ برسالته الأساسية، القائمة على قدرة الفن على جمع الناس، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والسياسية والفكرية. وتوضح لـ "نداء الوطن" أن غايتها تكمن في جعل الفن مساحة مشتركة مفتوحة أمام الجميع، يجد فيها كل شخص ما يلامسه، أو ما يدفعه إلى التساؤل والتأمّل، أو حتى ما يدفعه إلى الاختلاف معه.
وتشير جيرودي إلى أن "كرسي ساب – بيروت" لم يُصمَّم ليكون عملا مغايرًا للنسخة الأصلية في نيس، أو بديلا عنها أو منافسًا لها، بل ليحافظ على هويته الفنية وخطوطه وروحه، مع إدخال عنصر يرتبط بالمكان الجديد ويمنحه خصوصيته، هو خريطة لبنان. وترى أن هذه الإضافة تتيح للعمل صون هويته البصرية المعروفة، وفي الوقت نفسه تمنح اللبنانيين فرصة لرؤية شيء من هويتهم في تفاصيله، والشعور بأنه جزء من المشهد الرمزي لمدينتهم.
وتعرب الفنانة عن إعجابها بمهارات الحرفيين اللبنانيين ودقّتهم وجودة أعمالهم، مشيرة إلى أن تنفيذ الكرسي في لبنان أتاح لها اكتشاف خبرات محلية تستحق التقدير. وترى أن التجربتين في نيس وبيروت لا تقومان على فكرة المقارنة بين عملين منفصلين، بل تجسّدان حياة العمل الفني نفسه في مكانين مختلفين، لكل منهما تاريخه وهويته.
لكن ماذا عن الرسالة التي تأمل أن تصل إلى سكان بيروت؟ تجيب ساب مستعينة بمقولة دوستويفسكي عن قدرة الجمال على إنقاذ العالم، معتبرة أن حلم الفنان يكمن في أن يمنح الناس فرصة للرؤية والتفكير والمحبة، وحتى الاختلاف والنفور، وأن يترك أثرًا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. وتضيف أن أجمل ما يمكن أن يحقّقه عمل فني هو أن يجمع، ولو لثانية أو دقيقة أو ساعة، أشخاصًا من خلفيات وآفاق مختلفة حول تجربة بصرية وإنسانية مشتركة. وربما تكمن، في نظرها، قيمة الفن الأعمق في هذه القدرة على خلق لحظة تواصل بين البشر، وهي لحظة تصفها بأنها شكل من أشكال الحياة الأبدية.
على أرض الواقع، قد لا يغيّر كرسي أزرق وحده واقع مدينة، لكنه قادر بالتأكيد على منحها سببًا جديدًا للتوقّف والتأمّل، وعلى ترك أثر في نفوس العابرين يتجاوز لحظة التقاط صورة أمام البحر.



