طارق أبو زينب

حزب الله يتغذّى على إمبراطورية مالية عابرة للحدود في غرب أفريقيا

4 دقائق للقراءة

لم تعد معركة حزب الله محصورة بالسلاح والجبهة والقرار السياسي، بل باتت تمتد إلى مسارات المال والتجارة والتحويلات العابرة للحدود. فخلف المشهد العسكري، تبرز شبكة مالية تسعى إلى تأمين الموارد واستمرار قنوات التمويل، مستفيدةً من تشابك الاستثمارات والعلاقات التجارية في أسواق يصعب أحياناً كشف المستفيدين الفعليين من عملياتها. وفي غرب أفريقيا، لا يبدو هذا المسار تفصيلاً بعيداً عن لبنان، بل ملفاً استراتيجياً يكشف كيف يمكن للنفوذ المالي أن يتجاوز الحدود، وأن يتحوّل إلى ركيزة في معركة أوسع على الموارد والسلطة والقدرة على مواجهة العقوبات .

وتكتسب هذه القضية أهميتها من الوقائع التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية خلال السنوات الماضية، والتي تناولت رجال أعمال وشبكات وشركات قالت واشنطن إنها ساهمت في تمويل حزب الله أو تسهيل حركة الأموال والأصول لمصلحة شخصيات مرتبطة به. ولا تقتصر دلالات هذه الإجراءات على أسماء أُدرجت على لوائح العقوبات، بل تتجاوزها إلى طبيعة شبكة تتداخل فيها التجارة المشروعة مع أنشطة مالية غير مشروعة، وتُستخدم فيها واجهات تجارية لإخفاء مسارات الأموال وهوية المستفيدين الفعليين. وهنا تكمن خطورة التمويل الموازي: قدرته على الاستفادة من الاقتصاد التجاري لتأمين قنوات يصعب تفكيكها من خلال الإجراءات التقليدية وحدها.

وفي هذا السياق، يبرز الألماس بوصفه أكثر من سلعة مرتفعة القيمة. فسهولة نقله نسبياً، وصعوبة تقييم بعض أنواعه بصورة موحّدة، وتعدد الوسطاء والأسواق التي يمرّ عبرها، عوامل قد تجعل تجارة الأحجار الكريمة عرضة للاستغلال في غسل الأموال وإخفاء مصادرها. ولا يعني ذلك أن تجارة الألماس بحد ذاتها مشبوهة، لكن الخطورة تظهر عندما تُستغل الثغرات الرقابية والوثائق المضلّلة والشركات الوسيطة لتمويه حركة الأموال أو إخفاء المستفيدين الحقيقيين. عندها، لا تعود المسألة تجارية بحتة، بل تتحول إلى تحدٍّ مباشر أمام أجهزة الرقابة المالية والتعاون الدولي.

وتعيد سيراليون إلى الواجهة البُعد التاريخي والأمني لهذا الملف. فقد ارتبطت البلاد خلال الحرب الأهلية بين عامي 1991 و2002 بتجارة ما عُرف بـ«ألماس الدم»، في تجربة أظهرت كيف يمكن للثروات الطبيعية أن تتحول إلى مورد للصراعات عندما تغيب الرقابة الفعالة. وفي 11 حزيران 2013، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على أربعة أشخاص قالت إنهم ساعدوا حزب الله على توسيع نفوذه في غرب أفريقيا. وحددت علي إبراهيم الوطفة بصفته مسؤول ارتباط للحزب في سيراليون، مشيرةً إلى تنسيقه تحويل أموال من البلاد إلى لبنان. كما تناول الإعلان أنشطة مرتبطة بشبكات في السنغال وساحل العاج وغامبيا، بما يوسّع نطاق القضية إلى ما يتجاوز دولة واحدة أو مساراً مالياً منفرداً.

وتكشف هذه المحطات، على اختلاف تواريخها ومساراتها، أن التمويل الموازي لا يعتمد بالضرورة على قناة واحدة أو مركز مالي ثابت. فقد يتحرك عبر شركات تعمل تحت غطاء تجاري، أو تحويلات نقدية، أو أصول يسهل تداولها بين الأسواق. وهذا التشعّب يجعل تتبّع الأموال مهمة تتطلب تعاوناً عابراً للحدود، وتبادلاً دقيقاً للمعلومات بين الجهات الرقابية والأمنية، وقدرة على كشف الروابط بين الشركات والوسطاء والمستفيدين النهائيين.

لكن دلالات الملف تتجاوز الجانب المالي. فعندما تتراكم الشبهات حول شبكات تجارية عابرة للحدود، يصبح من الضروري التحقق من أي استخدام محتمل للعلاقات المحلية أو البنية التجارية لأغراض لوجستية أو لنقل مواد ذات استخدام مزدوج. وهذا البُعد يستدعي تحقيقاً مهنياً وأدلة محددة ومستقلة، لا التعامل مع الاحتمالات بوصفها وقائع محسومة قبل توثيقها.

بالنسبة إلى لبنان، تضع هذه القضية الدولة أمام سؤال يتجاوز الامتثال للعقوبات: كيف يمكن حماية الاقتصاد الوطني ومنع تحوّل القنوات المالية الموازية إلى أدوات نفوذ خارج الرقابة والمساءلة؟ فإذا ثبت ارتباط أي شبكة بتمويل أنشطة حزبية خارج الأطر القانونية، فإن المسألة تمسّ السيادة والشفافية وقدرة المؤسسات على حماية البلاد من تداعيات الصراعات الإقليمية.

إن الإمبراطورية المالية لا تُقاس بحجم الأموال وحده، بل بقدرتها على الاستمرار تحت الضغط وإعادة توزيع نشاطها عبر الأسواق والواجهات والوسطاء. لذلك، لا تكفي العقوبات وحدها ما لم تترافق مع تعقّب المستفيدين الفعليين، وتدقيق حركة الأصول والتحويلات، وتعزيز التعاون الدولي، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فالمعركة على المال ليست منفصلة عن المعركة على القرار والسيادة؛ وحين يتحول التمويل إلى أداة نفوذ عابرة للحدود، تصبح حماية لبنان مرهونة بقدرة الدولة على كشف المسارات المالية ومنع أي شبكة موازية من وضع مصالحها فوق سلطتها.