أمجد اسكندر

زاهي بستاني... عشرون عامًا من البرد

5 دقائق للقراءة

كما أن هناك عُزّلا من السلاح، مات زاهي بستاني وتركنا عُزّلا من زاهي. بحثت عميقًا عن صفة تختصره، فلم أجد أبلغ من "الشهامة بذاتها". وإن كان للقوات اللبنانية من نضارة في جوهر قضيتها، فلأن زاهي كان من صائغي تلك النضارة.

نعم، نحن في الصفوف الخلفية، كان لنا في القوات اللبنانية نجوم وأبطال يشعلون "رومانسيات القضية". وكان زاهي واحدًا من شبّان النُّبل. لقد ضمّت القوات كوكبة من "النبلاء"، بلغ بهم النُّبل أن بقوا بعيدًا من الأضواء، وبلغت بهم الشهامة أن صمتوا عمّن جرّح وقدح وذمّ وشوّه سمعتهم، ونال من صدق نضالهم.

للحظات الحرجة كان زاهي بستاني. وفي غمامة من غبار الشائعات والأكاذيب، جلس زاهي على عرش نظيف. قال بشير الجميل: "أدين برئاسة الجمهورية لثلاثة: الرئيس الياس سركيس، ووالدي، وزاهي قبل كل الرفاق".

أتته الحاجة إليه من تلقاء نفسها، وأتته سهام التجريح بفعل فاعل. وما رفعه في قلبي، أو رفع قلبي إليه، أنه لم يقابل الافتراء عليه إلا بالضحكات!

باح لي بكثير من أسرار الدولة يوم كان "في الدولة"، وبكثير من أسرار "القوات" بعدما أصبح في فريق بشير أو سمير. باح بما باح بعدما اتفقنا على أنني كثير النسيان. لكن الأسرار لم تكن أثمن ما تركه لي زاهي، بل الترفّع. أوصاني بالترفّع عن الانخراط في التجاذبات والمماحكات وتبادل الاتهامات.

وقال: "ترفّع حتى تستطيع أن تكون مفيدًا إذا طلبوك لمهمة أو منصب. ترفّع حتى تكون محرّرًا من الأوزار إذا أقدمت على أمر". كان حامل الأسرار أهم من أسراره، وبقي على قيد الذاكرة زاهي القدوة، وزاهي السيرة في سيرته الزاهية.

أن يكون زاهي قدوة لك، يعني أنك أصدرت حكمًا قاسيًا على نفسك. في البدء، أنت لم تكن هو، وفي النهاية، أنت لم تعد أنت. ومن هذا الالتباس الرائع، تستمدّ شغفك ببناء دورك في شؤون السياسة.

كان يقول لي: "يجب أن تنجح تجربة سمير في القوات". لماذا؟ "لأن السلطة، وإن أصبح رئيسًا للجمهورية، لن تغيّره. كل المشاريع المسيحية أو الإسلامية أو العلمانية أو الاشتراكية ليست بأهم من مشروع القوات".

وعن سمير يضيف: "بالنسبة إلى سمير، ليس مهمًا أن يكون لديه مئة حليف، بل مئة شاب وصبية. القوات تشبه نواة التفاحة. طعمها مرّ، ولكن لولا النواة لما نبت التفاح أصلا. مئة شاب وصبية في القوات يعادلون مئة ألف يبنون مواقفهم على تصريح في جريدة".

عذرًا زاهي، أحيانًا أخون النسيان.

كان زاهي صلة الوصل بين الدكتور سمير جعجع والرئيس رفيق الحريري في مفاوضات اتفاق الطائف، الذي لعب الاثنان، جعجع والحريري، دورًا حاسمًا في إقراره. وكان لزاهي فيه الدور والرأي. كذلك وطّد زاهي الثقة بين الرجلين، لما كانت له من منزلة لدى كليهما.

رافق زاهي مسيرة قائدين للقوات اللبنانية: بشير وسمير.

في اللحظة التي بلغ فيها بشير ذروة الانتصار، أي إعلان فوزه برئاسة الجمهورية، ترك الرئيس المقاوم قاعة الاجتماع، ولم يتذكّر إلا زاهي. استلّ قلمه وكتب له عبارة عرفان بالجميل ومحبّة.

كانت لحظة اختصرت قيم المقاومة بقائد ورفيقه. وما كان بين بشير وزاهي استمرّ بين زاهي وسمير. ففي المواقف الصعبة، يحتاج القادة إلى أصدقاء أكثر من حاجتهم إلى مستشارين. وكان زاهي صديق سمير، وما يُقال أحيانًا بين صديقين لا يُقال بين قائد وفريقه المقرّب.

هذان الرجلان، المطبوعان بالحيطة والحذر، تكاشفا الأفكار والمخاوف والأحلام. سيأتي يوم يقول فيه سمير من كان زاهي بالنسبة إليه، وستكون شهادته غير متوقّعة لكثيرين.

وعلى المنوال نفسه، أسهم زاهي في نسج عباءة سمير السياسية بخيوط المبادئ والترفع.

موت زاهي كاد يكسر ظهور أصدقائه. كان زاهي يغيّرنا، يكشف لنا محاسننا، أو يدفعنا إلى أن نكون نبلاء حين تشدّ بنا الوقائع إلى ضيق الصدر وقصر النظر.

كنا نأتي إليه كي نؤكد لأنفسنا أننا على الطريق الصحيح، وأننا رائعون وطيّبون. ومن ميزات رجال كبشير وسمير وزاهي أنك، معهم، وفي حضرتهم، تلتمع حسناتك وتستتر سيئاتك!

عشرون سنة مرّت، فلا هو بارح العقل والقلب، ولا لبنان خرج من الدوامة. لمثل هذه التحديات وُجد زاهي بستاني، المناضل النبيل. ولأن التحديات كانت، ولا تزال، وستبقى، خسرت القوات اللبنانية رجلًا رحل قبل الأوان.

نصحني مرارًا ألّا أكتب كلمة أو شيفرة لسرّ. لكن ذاكرتي، يا زاهي، ليست قوية. قال: "أحلى شيء بلبنان خيانة الذاكرة، وصدّقني عندما يحين وقت المعلومة فتطفو وحدها على السطح".

ككل رجل مبادئ، كان لزاهي خصوم كثر. ولم يشتم، مرة، على مسمعي خصمًا. توصيف وراء توصيف، واستنتج وحدك.

يوم جنازته في سيدة التلة في دير القمر، كأنه البارحة. كان النعش مسجّى، وكانت ضوضاء وحشود وشخصيات. وللحظة، تحوّل المشهد إلى كنيسة ليس فيها إلا النعش، أرمقه أنا وزوجتي من بعيد.

كان تشرين الأول، وشعرنا بأول البرد، ولا نزال. خسرنا الإشبين والرفيق والصديق والمنارة التي ترشدنا في ليل العواصف.

"تقبرني"، هكذا كان يناديني. ليتها لم تكن هذه الكلمة.