جو رحال

احتجاجات أوروبا… هل تشيخ القارة؟

3 دقائق للقراءة

حين تستعدّ فرنسا لنشر نحو سبعين ألف عنصر أمني، وتغلق باريس متحف اللوفر ومؤسسات ثقافية أخرى خشية اضطرابات جديدة، لا تبدو احتجاجات خريف 2026 مجرد أزمة شوارع. إنها اختبار سياسي أوسع لقارة بنت مكانتها على الرفاه والاستقرار والقدرة على التوفيق بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية. فهل تستعيد أوروبا صورة "القارة العجوز"، أم أن غضبها الراهن محاولة لتجديد شبابها السياسي؟

من باريس إلى روما وبروكسل ومدريد ولشبونة، تتباين الدوافع وتتقاطع المخاوف. في فرنسا، بدأت تحركات الطلاب احتجاجًا على أوضاع المدارس، قبل أن تتسع إلى مطالب تتعلق بالقدرة الشرائية والخدمات العامة. وفي إسبانيا والبرتغال، تحوّلت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات إلى عنوان أساسي للغضب، بينما برزت في إيطاليا وبلجيكا مطالب الأجور والإنفاق الاجتماعي والاعتراض على إجراءات التقشف. ليست هذه انتفاضة موحّدة بقيادة واحدة، بل إنذار متعدد اللهجات بأن العقد الاجتماعي الأوروبي يتعرض لضغط متزايد.

الأرقام تفسّر بعض هذا القلق. فالمفوضية الأوروبية توقعت في ربيع 2026 نموًا لا يتجاوز 1.1 في المئة للاتحاد الأوروبي خلال العام، مع تضخم يبلغ 3.1 في المئة، في ظل صدمة أسعار الطاقة. ويشير مجلس الاتحاد الأوروبي إلى ارتفاع أسعار المساكن بنحو 60 في المئة منذ 2015. حين يتباطأ الدخل أمام تكاليف السكن والطاقة، تصبح الفجوة بين وعود الرفاه وتجربة المواطن اليومية وقودًا للاحتجاج. وتتفاقم المعادلة حين تطالب الأجيال الجديدة بفرص عمل مستقرة ومساكن ميسورة، فيما تجد الحكومات نفسها بين قيود الموازنات وضرورة تحديث الخدمات العامة.

لكن التحدي الأعمق ديموغرافي واستراتيجي. فبحسب "يوروستات"، بلغت نسبة من هم في الخامسة والستين وما فوق 22 في المئة من سكان الاتحاد مطلع 2025. وتطرح الشيخوخة السكانية أسئلة صعبة حول تمويل التقاعد والرعاية الصحية وحجم القوة العاملة. والمفارقة أن شوارع هذه القارة المتقدمة في العمر ديموغرافيًا يقود جزءًا مهمًا من احتجاجاتها شباب يخشون تأخر استقلالهم الاقتصادي.

يتزامن ذلك مع سباق عالمي في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وضغوط الإنفاق الدفاعي والحرب في أوكرانيا وتقلبات العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين. وقد حذّر تقرير ماريو دراغي حول التنافسية الأوروبية من اتساع فجوة الابتكار والتبعية الخارجية، فيما أشار بنك إسبانيا في أيلول 2026 إلى أن تنفيذ الإصلاحات يسير بوتيرة غير متساوية. وهنا تكمن المعضلة: كيف تموّل الحكومات الأمن والتحول الاقتصادي من دون تقويض الأساس الاجتماعي الذي منح المشروع الأوروبي شرعيته؟

الاحتجاج السلمي ليس علامة أفول بحد ذاته؛ فهو إحدى وسائل المجتمعات الديمقراطية لتصحيح مسارها. وفي المقابل، فإن أعمال العنف والتخريب لا تختصر مطالب المحتجين ولا تبرر تجاهلها. والخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الشكوى الاقتصادية إلى قطيعة دائمة مع المؤسسات، ويغدو الاستقطاب السياسي عائقًا أمام الإصلاح. ولا تملك أوروبا ترف الفصل بين الحماية الاجتماعية والقدرة التنافسية؛ فإهمال الأولى يضعف الثقة، والتأخر في الثانية يهدد استدامة الرفاه.

ولأن أوروبا شريك اقتصادي وسياسي أساسي لدول المتوسط، وبينها لبنان، فإن قدرتها على استعادة التوازن تتجاوز حدودها. لن تصبح أوروبا "القارة العجوز" بسبب ارتفاع أصوات شوارعها، بل إذا عجزت مؤسساتها عن تحويل تلك الأصوات إلى فرص ونمو وثقة متجددة. فشيخوخة الدول لا تُقاس بأعمار سكانها وحدها، بل بقدرتها على ابتكار المستقبل.