الهجوم على المسيحيين يستنفر الأردن... والملك: سنضرب بيد من حديد

4 دقائق للقراءة

شكّل الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة سبعة مسيحيين وأصاب 34 آخرين خلال مشاركتهم في جنازة في كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية أمس اعتداءً على معنى الوجود المسيحي في المشرق، وعلى حقّ الإنسان في ممارسة إيمانه من دون خوف، وحتى على حقّه في وداع موتاه بسلام. ففي أرضٍ تجذّرت فيها المسيحية منذ قرون، يعود مشهد الدم ليطرح سؤالًا يتجاوز الجريمة الإرهابية نفسها: إلى متى يبقى مسيحيو المشرق عرضة لتهديد الفكر الإسلامي التكفيري الذي يرفض التعدّدية الدينية، ويرى في المواطن المختلف خصمًا ينبغي إخضاعه أو إقصاؤه؟ إنّ الخطر لا يقتصر على الإرهابيين المنفّذين وحدهم، وإنما يشمل أيضًا المنظومة الفكرية التي تبرّر العنف باسم الدين، والخطاب المتطرّف الذي يحوّل الاختلاف العقائدي إلى ذريعة لاستباحة الأرواح.

ما جرى في الأردن، الدولة الحريصة دائمًا على العيش المشترك، يستدعي مواجهة صريحة مع تيارات الإسلام السياسي المتطرّف باعتبارها تهديدًا للمسيحيين والمسلمين معًا، ولأسس العيش المشترك في المنطقة. فالمسيحيون هم من صانعي تاريخ هذا المشرق وهويته وحضارته، وليسوا ضيوفًا ولا أقلية تنتظر الحماية أو الإذن بالبقاء. وأي مشروع يسعى إلى اقتلاعهم أو ترهيبهم إنما يستهدف في جوهره مستقبل المشرق بأسره. انطلاقًا من ذلك، تحرّكت السلطات الأردنية بسرعة وحزم لكشف ملابسات الهجوم والقبض على المتورّطين. وأُعلن الحداد العام في المملكة وتنكيس الأعلام لثلاثة أيام حدادًا على أرواح الشهداء الأبرياء في كنيسة الكرك.

وتوعّد العاهل الأردني عبدالله الثاني، الذي سارع إلى زيارة المصابين في الكرك، بمواجهة العمل الإرهابي بأشدّ العقوبات، مشدّدًا على أن "مَن توهم أن رصاص الغدر يشقّ صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا". وأكد أن "جميع الأردنيين من شمال الوطن إلى جنوبه شركاء الأرض والموقف، ولن ينفذ بينهم غدر". وتعهّد بضرب مَن تطاول على هذا البلد "بيد من حديد"، جازمًا بأن "رصاص الإرهاب الجبان لن ينال من الكرك وتاريخها". وأكد رئيس الوزراء جعفر حسَّان أن الهجوم جاء "نتيجة الفكر التكفيري الإرهابي ونتيجة التطرّف الأعمى، ولن نسمح للمجتمع أن يسير في هذا المسار".

وأفاد وزير الداخلية الأردني مازن الفراية بأن الهجوم على الكنيسة هو "عملية إرهابية" نفّذتها "مجموعة من المتطرّفين"، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية تعمل على مدار الساعة للوصول إلى المنفّذين. وترأس رئيس الوزراء جعفر حسان اجتماعًا للمجلس الأمني في مبنى محافظة الكرك، بحضور الوزراء والمسؤولين المعنيين، لمتابعة أعمال الأجهزة المختصّة في التعامل مع الجريمة. وأصدرت مطرانية الأردن للروم الأرثوذكس بيانًا استنكرت فيه "العمل الإرهابي"، مؤكدة أنه "إذا كانت الرسالة تهدف إلى اقتلاعنا من أرضنا المقدّسة وتهجيرنا منها، فإنّها لن تزيدنا إلّا تمسّكًا بها وتجذّرًا فيها". وأعربت عن إيمانها المطلق بأن "مجتمعنا الأردني سيبقى عصيًّا على كلّ فكر أسود متطرّف، وأن هذه الفعلة المجرمة بعيدة وغريبة عن إسلام بلادنا المعتدل".

وبثّت قناة "المملكة" الرسمية مقطع فيديو يظهر فيه ثلاثة مسلّحين وهم يطلقون النار في اتجاه الكنيسة، قبل أن يتقدّموا نحو المدخل وهم يتابعون إطلاق النار. وذكرت المديرية العامة للأمن العام أن "مسلحين مجهولين أطلقوا النار داخل إحدى الكنائس في محافظة الكرك". وأفاد شاهد عيان لـ"المملكة" بأن المسلّحين أطلقوا النار بصورة متواصلة لمدّة خمس دقائق قبل أن يفرّوا من المكان، لافتًا إلى أن ما بين 150 و200 شخص كانوا داخل الكنيسة وفي محيطها وقت وقوع الهجوم. وذكر أن معظم الضحايا تراوحت أعمارهم بين50 و70 عامًا. وقرّر النائب العام في عمان "حظر النشر في القضية التحقيقية المتعلّقة" بأحداث الكنيسة، بمعنى أن على وسائل الإعلام "التقيّد بعدم نشر أي أخبار أو معلومات تتعلق بموضوع القضية أو مجريات التحقيق فيها"، تحت طائلة المساءلة القانونية والقضائية.

وتضمّ الكرك مجتمعًا مسيحيًا كبيرًا في المملكة ذات الغالبية المسلمة، حيث يشكّل المسيحيون نحو 2 إلى 3 في المئة من السكان. وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات على دور العبادة في الأردن تُعدّ نادرة. وتوالت الإدانات المحلية والإقليمية والدولية للعملية الإرهابية في الكرك. ووصف السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز الهجوم في الكرك بأنه "اعتداء وحشي وهمجي على دار للعبادة"، مشدّدًا على أن "الهجمات على المسيحيين في مختلف أنحاء العالم تتواصل بوتيرة متصاعدة، ويجب وضع حدّ لها". واعتبر الرئيس اللبناني جوزاف عون أن إطلاق النار على الكنيسة "هجوم إرهابي شنيع". ودان "مجلس التعاون الخليجي" والسعودية وسوريا ومصر والعراق وغيرها من الدول والمنظمات الهجوم.