المخرج رمال أبي يونس

نُربّي حساباتنا لتكبر… ونترك أولادنا يكبرون وحدهم

6 دقائق للقراءة

قد ننتفض دفاعًا عن طفل لا نعرفه على شاشة الهاتف، فيما طفلنا يجلس قربنا منذ نصف ساعة وهو ينتظر أن ننظر إليه.

وقد نكتب منشورا طويلا عن الوفاء، ثم نترك أمًّا تنتظر اتصالا لا يستغرق دقيقتين. وقد نخوض معركة شرسة دفاعا

عن كرامة الإنسان، ثم نُهين إنسانا لا نعرفه بتعليق عابر، ونُكمل عشاءنا كأن شيئًا لم يحدث.

هذه بعض التناقضات التي أصبحنا نعيشها يوميا، حتى اعتدنا عليها وهنا تكمن الخطورة:

أن يتحوّل ما يستحقّ مراجعة ضمائرنا إلى سلوك عادي لا يستوقفنا.

في عالم السوشيال ميديا، ثمة صراع مستمر على انتباهنا. فالانتباه هو أهم عملة في العالم اليوم لأنه يتجمع ويتحلل وينباع، وللأسف في أحيان كثيرة نكون نحن البضائع وليس الزبائن.

فكلّ شيء يريد حصّته من أعيننا، ومن وقتنا، ومن انفعالنا. وفي اقتصاد يقوم على جذبنا وإبقائنا أمام الشاشة وأبعد عن حياتنا فتصبح عاداتنا واهتماماتنا مادة للاستثمار، ويصبح وقتنا الثمن الذي ندفعه حتى بتنا نعرف جيدا:

ما أغضب الغرباء اليوم، ولا نعرف ما أحزن أهل بيتنا.

في هذا الصراع على انتباهنا، نقع في مصيدتين تستحقّان أن نتوقّف أمامهما: التفاعل الاندفاعي مع المحتوى، والمقارنات الوهمية. يبدأ التحرّر منهما حين ندرك كيف تؤثّران في أحكامنا، وعلاقاتنا، ونظرتنا إلى أنفسنا.

فالمصيدة الأولى هي ما يمكن تسميته الاشتباك القهري مع المحتوى: أن تندفع تحت وطأة مشاعرك، فتصدّق قبل أن تتحقّق، وتنشر قبل أن تحلّل، وتكتب قبل أن تسأل نفسك عمّا ستفعله كلماتك. أمّا إبداء الرأي الواعي، فيقوم على معلومة وتحليل وقناعة، ويحتمل المراجعة حين تظهر حقائق جديدة. وهو حقّ، وقد يكون واجبًا ومسؤولية

يستدرجنا المحتوى المستفزّ إلى هذا الاندفاع حين يستثير غضبنا أو خوفنا أو شعورنا بالإهانة، فنشعر أنّ الردّ الفوري ضرورة، وأنّ التريّث ضعف أو تراجع وحينها، قد نكتب ما يعبّر عن لحظة غضبنا، ثم نُضطرّ إلى حمل تبعاته طويلًا

المشكلة تبدأ حين نتوقّف عن السؤال، فحين يصبح كلّ ما يستفزّنا جديرا بالنشر، وكلّ ما يوافق غضبنا جديرا بالتصديق.

نقرأ عنوانا فنحاكم، نشاهد مقطعا فنُدين، نسمع اتهاما فنضيف إليه اتهاما آخر. وفي دقائق، يصير إنسان كامل، بتاريخ وعائلة وكرامة، أسير لحظة لم نفهم سياقها، أو رواية لم نتحقّق منها ثم نقول: أنا فقط شاركت المنشور

وهل المشاركة تُعفينا من المسؤولية؟ إذا نقلتَ ظلما إلى ألف شخص، هل تصبح بريئًا لأنّك لم تكن أوّل من كتبه؟ وإذا ساهمتَ في تشويه سمعة إنسان، هل يمحو الأذى أن تحذف المنشور بعدما انتشر؟

فمن حقّك أن تعترض، وأن تنتقد، وأن ترفع صوتك في وجه الفساد والظلم. وقد يكون الصمت أحيانًا تخلّيًا عن واجب. لكنّ مسؤولية الموقف تقتضي أن تعرف عمّا تتكلّم، وأن تميّز بين الشجاعة في قول الحقيقة، والاندفاع إلى إدانة الآخرين.

لا تمنح غضبك صلاحية التوقيع باسم عقلك. فخلف الحساب الذي تسخر منه إنسان قد يقرأ كلماتك في أسوأ أيامه. وخلف الصورة التي تتداولها عائلة ستدفع ثمن انتشارها. وخلف الخبر الذي تنشره خوف قد يصل إلى بيت، أو أذى قد يلاحق بريئًا طويلًا فنحن لا نرى دائما ما تفعله كلماتنا بعدما تغادرنا. وهذا لا يعني أنّها لم تفعل شيئًا فالكلمة التي نسيتها بعد دقيقة، قد تبقى في صدر شخص آخر سنوات.

أما المصيدة الثانية هي المقارنات الوهمية. تتحوّل السوشيال ميديا أمامنا إلى مسرح واسع، يعرض عليه الناس أجمل لحظاتهم وأبرز نجاحاتهم، فيما تبقى مشقّة الحياة خلف الستار. ومن حقّ الإنسان أن يحتفظ بانكساراته لنفسه؛ فليس مطلوبا منه أن يكشف أوجاعه حتى يثبت لنا أنّه يتألّم. لكنّنا نخطئ حين نفترض أنّ ما يعرضه هو كلّ ما يعيشه، فنبدأ بمحاكمة حياتنا على أساس صورة ناقصة من حياة سوانا. فنضع تعب يومنا أمام صورة من عطلتهم، وقلق بيتنا أمام ضحكتهم في مناسبة، وتعثر مشروعنا أمام إعلان نجاحهم. نحن نعرف تفاصيل وجعنا، لكنّنا نرى واجهة حياتهم فقط. ومع ذلك، نصدر الحكم لمصلحتهم وعلى حسابنا. والمشكلة حين نطلب من حياتنا أن تنافس صورة، وحين ننكر ما نملكه لأنّ شخصا آخر عرض ما نتمناه. تأمّل كم مرّة كنتَ بخير، ثم فتحتَ هاتفك وشعرتَ أنّ حياتك ناقصة. لم يتغيّر راتبك خلال تلك الدقائق، ولم يصغر بيتك، ولم يفقد أولادك جمالهم. الذي تغيّر هو نظرتك إلى ما تملك.

فكم من نعمة أهملناها ونحن نراقب نعمة في يد سوانا؟

لكنّ الخسارة الأوجع تبقى في البيوت. هناك، حيث نجتمع بأجسادنا وتتفرّق انتباهاتنا. طفل ينادي، فنقول له: لحظة

وزوجة تتحدّث فنجيبها من دون أن نرفع أعيننا. وأب يعيد السؤال فنضيق به بينما نصغي بصبر إلى شخص غريب يتحدّث عشرين دقيقة على الشاشة. تتكرّر اللحظة حتى تصبح عادة ويعتاد أهلنا أن يختصروا كلامهم معنا، ويعتاد أولادنا أن يبحثوا عن انتباهنا، ثم يتعلّمون مع الوقت ألّا يطلبوه.

كم أخشى أن يأتي يوم نملك فيه آلاف الصور لأولادنا ونكتشف أنّنا لم ننتبه إلى طفولتهم وهي تحدث أمامنا. الصورة تحفظ ملامح الطفل، لكنّ الإصغاء يبني علاقته بك. والمنشور الذي تمدح فيه أمّك لا يصل إلى قلبها كما تصل زيارة، أو مكالمة، أو جلسة تشعر فيها أنّك حاضر معها فعلًا. نعلّم أولادنا مسؤولية الكلمة حين يروننا نتحقّق قبل أن ننشر، ونختلف باحترام، ونعتذر حين نخطئ. ونعلّمهم قيمة العائلة حين نضع الهاتف جانبًا عندما يتكلّمون. أمّا المواعظ التي تناقضها تصرّفاتنا، فيتعلّمون منها أنّ الكلام سهل.

هاتان المصيدتان تستنزفان ثلاثة أشياء نحتاج إليها لسلامنا الداخلي: العمق، والقرب، والرضا. يتراجع العمق حين نختزل القضايا في مقطع عابر، ونخلط بين سرعة الحكم ونضج الفكرة. ويضعف القرب حين نجلس في بيت واحد، لكنّ كلًّا منّا غائب خلف شاشته. ويتآكل الرضا حين نقيس حياتنا، بكلّ تفاصيلها، بلحظات منتقاة من حياة الآخرين. ولأنّ الانتباه جزء من العمر، تستحقّ طريقة إنفاقه قرارًا واعيًا. جرّب أن تستعيد من يومك ثلاث ساعات، بحسب ظروفك: ساعة لأهل بيتك، وساعة للتعلّم، وساعة للبناء.

امنح أهلك ساعة تصغي فيها إلى إجاباتهم، وتلاحظ ما تغيّر في وجوههم، وتتشارك معهم حديثًا لا تقطعه كلّما أضاء الهاتف. ففي التفاصيل الصغيرة نكتشف أبناءنا، ونفهم شركاءنا، ونشعر أهلنا أنّ لهم مكانًا في يومنا يتّسع لكلامهم وصمتهم معًا. وامنح نفسك ساعة تتعلّم فيها، توسّع معرفتك، وتراجع أفكارك، وتصقل مهاراتك. ثم خصّص ساعة تطبّق فيها ما تعلّمته: تكتب، أو تتدرّب، أو تنجز خطوة في مشروع تؤجّله. وإن تعذّرت عليك ثلاث ساعات، فابدأ بما تستطيع، والتزم به؛ فالتغيير يحتاج إلى ممارسة تستمرّ، أكثر ممّا يحتاج إلى حماسة تنطفئ.

ومع استعادة وقتك، استعد مسؤوليّتك عن كلمتك: تحقّق قبل أن تنشر، وتريّث قبل أن تجرح، واعتذر حين تكتشف أنّك ظلمت. تخيّل ما الذي كان يمكن أن تبنيه في حياتك، لو منحت أحلامك بعض الوقت الذي منحته لمراقبة حياة الآخرين.

لن يعيد إلينا أحد الساعات التي مضت. والأشدّ إيلاما أنّ بعض الذين نؤجّلهم اليوم، قد يأتي وقت نتمنّى فيه أن يقاطعوا انشغالنا مرّة أخرى. قبل أن تفتح التطبيق مجدّدا، ارفع رأسك انظر إلى الجالس قربك اسأله عن يومه وانتظر الجواب قد تكتشف أنّ في بيتك حكاية تحتاجك أكثر من كلّ الحكايات التي تابعتها.

وفي يومٍ ما، حين يفتّش أولادك في ذاكرتهم عنك، ماذا سيجدون: وجها كان يلتفت إليهم… أم رأسا منحنيا فوق هاتف؟