في لبنان، لا يولد التغيير إلا "على السخن". كأن هذا البلد محكوم بأن تأتي تحوّلاته الكبرى على وقع الحروب والاغتيالات والانهيارات. لكن ما إن تنحسر الصدمة حتى يفقد التغيير زخمه، وتبدأ مفاعيله بالتآكل، وأحيانًا بالانقلاب إلى نقيضها. وهكذا تتبدّل القوى والوصايات، فيما يبقى عجز الدولة عن تثبيت التحوّلات هو الثابت الوحيد.
منذ نشأة الكيان، يكشف التاريخ اللبناني عن هذا المسار المتكرّر. فالفرنسيون أسّسوا "لبنان الكبير" عام 1920، لكن قيام الكيان لم يحسم معضلة بناء الدولة. ومع الاستقلال عام 1943، انتقلت المسؤولية إلى اللبنانيين، فيما بقي النظام أسير هاجس حماية الصيغة، حتى على حساب مقتضيات السيادة.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ففتح بالقوة العسكرية بابًا، لكن التحوّل لم يصمد، وانتهى، بعد سنوات من الصراعات، إلى انقلاب في موازين القوى حسمه النظام الأسدي عام 1989، فارضًا وصاية أحكمت قبضتها على القرار اللبناني.
وتكرّر المشهد عام 2005. فقد أتاح اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما أعقبه من انتفاضة داخلية وضغط دولي وتفاهم أميركي – فرنسي، إخراج الجيش السوري من لبنان. غير أن استعادة القرار الوطني بقيت ناقصة، لأن الانسحاب السوري لم يُستكمل بإنهاء ازدواجية السلطة والسلاح. وبعد ثلاث سنوات، اجتاح "حزب الله"، ذراع "الحرس الثوري" الإيراني في لبنان، بيروت في "7 أيار" 2008، وفرض بقوة السلاح ميزانًا سياسيًا جديدًا كرّسه "اتفاق الدوحة".
أما الحلقة الأحدث فجاءت عام 2025، مع انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتولّي نواف سلام رئاسة الحكومة، في أعقاب حرب "إسناد غزة" التي جرّ "حزب الله" لبنان إليها، وما أحدثته من تحوّل في موازين القوى الداخلية والإقليمية. ومرة أخرى، فتحت الصدمة بابًا لاستعادة الدولة، لكن من دون ضمانة بأن السلطة الجديدة ستتمكّن من عبوره.
تختلف هذه المحطات في ظروفها وطبيعتها ونتائجها، لكنها تلتقي عند معضلة واحدة: العامل الخارجي يغيّر ميزان القوى، فيما تعجز السلطة الشرعية عن تحويل هذا التغيير إلى سيادة مستقرة. والسبب ليس نقص الفرص، بل غياب القرار باستكمالها.
فالتغيير لا يترسّخ بمجرّد تبديل الحكّام أو إعادة توزيع النفوذ، بل بحسم السؤال المؤسِّس لأي دولة: من يحتكر السلاح، ومن يقرّر الحرب والسلم، ومن يملك حق استخدام القوة وفرض القانون؟ وما دامت الإجابة موزّعة بين الشرعية وقوى الأمر الواقع، فإن أي تحوّل سيبقى موقتًا، مهما بلغت قوة العامل الذي أوجده.
وللمفارقة، فإن سلطة النظام الأسدي، بعد عام 1990، لم تتردّد في استخدام الأجهزة الأمنية المشتركة لفرض هيمنتها وقمع معارضيها بالاضطهاد والاعتقال والاغتيال. أما السلطات الوطنية المتعاقبة، منذ الاستقلال وصولا إلى عهد عون وحكومة سلام، فبقيت، بدرجات متفاوتة، أسيرة هواجس "صيغة 1943" ثم "صيغة الطائف"، وأحجمت عن استخدام القوة الشرعية لاستكمال التغيير.
هنا تكمن المفارقة: سلطة الوصاية لم تتردّد في استخدام القوة غير المشروعة لتثبيت نفسها، فيما تتردّد الدولة في استخدام قوتها المشروعة لتثبيت سيادتها!
وليس هذا التردّد مجرّد ضعف في الأداء، بل تعبير عن عقل سياسي تحكمه خشيتان: الاتهام بالتلاقي مع مخطط خارجي، والخوف من أن يؤدّي الحسم إلى انهيار صيغة النظام. وبين الخشيتين، تتكاثر التبريرات: الحفاظ على الوحدة الوطنية، وصون السلم الأهلي، وعدم تغليب طائفة على أخرى، ومراعاة المحبط والمهمّش والمجروح. وهكذا يتحوّل شراء الوقت إلى حكمة، والعجز عن فرض القانون إلى فضيلة وطنية!
هنا نصل إلى جوهر المأزق اللبناني. فالنظام الذي يُخشى انهياره هو، في جانب أساسي منه، الذي استدعى التدخّلات الخارجية، وفتح الأبواب أمام الوصايات، وسمح بنشوء الدويلات على حساب الدولة. والأخطر أن من يتولّون السلطة غالبًا ما يكونون أبناء البنية السياسية التي أنتجت هذا المأزق. يأتي بهم النظام، ثم يجعلهم أسرى توازناته ومحظوراته. حتى من يصل إلى الحكم حاملا مشروع تغيير، يجد نفسه أمام امتحان التحرّر من القواعد التي أوصلته إليه.
ولذلك، فإن المسألة اليوم أبعد من تجربة "المناطق التجريبية"، وأعمق من الرضوخ للتهديدات وعدم إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، وأخطر من الرهان على إسرائيل لإنهاء "حزب الله" عسكريًا. فهذه ليست سوى تجلّيات لمشكلة واحدة: إحجام السلطة عن اتخاذ القرار السيادي، وانتظار قوة خارجية لتحسم ما يُفترض بالدولة أن تحسمه بنفسها.
لقد أثبتت التجارب أن الخارج لا يستطيع وحده إقامة ميزان الدولة. ولم يكن انسحاب الجيش السوري عام 2005 كافيًا لمنع انقلاب 2008، تمامًا كما لم يكن حسم 1990 مدخلا إلى دولة سيّدة. فلماذا يُفترض أن تكون فرصة 2025 مختلفة إذا بقيت الذهنية السياسية نفسها؟
وليس المطلوب استنساخ أدوات القمع التي مارسها نظام الوصاية، بل استخدام القوة الشرعية ضمن القانون، وفرض حصرية السلاح والقرار السيادي. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على تجنّب المواجهة إلى ما لا نهاية، بل بقدرتها على فرض القانون من دون استثناء، وحماية السلم الأهلي من دون الخضوع لابتزاز السلاح.
أمام أركان السلطة الحالية خياران: إما الإقدام على الحسم السياسي والأمني الذي يمليه الواجب الوطني، وإما الاعتراف بأن تكوينهم الفكري والنفسي والسياسي يمنعهم من اتخاذ القرار، لأنهم يخشون على تركيبة النظام أكثر مما يخشون على مصير الدولة.
أما انتظار الخارج ليفعل ما لا تجرؤ عليه الشرعية، ثم الاحتماء بالتوازنات بعد كل تحوّل، فليس سياسة إنقاذ، بل إعادة إنتاج للأزمة التي يُفترض تجاوزها.
المعضلة، إذًا، ليست أن لبنان يفتقر إلى فرص التغيير، بل أن نظامه يستهلك هذه الفرص دفاعًا عن بقائه، ولو كان الثمن بقاء الدولة معلّقة بين سيادة منقوصة وانهيار مؤجّل.
ولعلّ المفارقة الأكثر مرارة أن بصيص الأمل الأخير في الدولة الجديدة لم يعد معقودًا على قدرتها على إحداث التغيير، بل على امتلاكها شجاعة واحدة متبقّية: أن تصارح اللبنانيين… بعجزها!