كوبر فوق هرمز: نحن هنا!

4 دقائق للقراءة
كوبر خلال تفقّده مضيق هرمز أمس (سنتكوم)

تحمل زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر إلى مضيق هرمز أمس رسالة قوّة تختصرها عبارة "نحن هنا"، مع تزايد المؤشّرات إلى احتمال تجدّد الحرب مع النظام الإيراني. فالتحليق فوق الممرّ المائي الذي تحاول طهران إخضاعه لشروطها يترجم حضورًا عسكريًّا يسند حركة التجارة ويواجه محاولات ابتزاز الاقتصاد العالمي. وتكتسب الزيارة دلالتها من توقيتها، وكذلك من الحصيلة التي أعلنتها "سنتكوم"، إذ ساعدت الشركاء الخليجيين على تصدير أكثر من 1.5 مليار برميل من النفط منذ الصيف، ودعمت عبور أكثر من 3000 سفينة تجارية خلال ستة أشهر.

وبحسب المعطيات الأميركية، أصبحت مسارات العبور الرئيسية خالية من الألغام الإيرانية، وعبرت أكثر من 95 في المئة من السفن بأمان خلال الأشهر الأخيرة. تقدّم هذه الأرقام ردًّا ميدانيًّا على ادعاءات السيطرة الإيرانية، وتضع خطاب طهران أمام اختبار الوقائع. فواشنطن تؤكّد قدرتها على حماية الملاحة بالشراكة مع دول الخليج، وتُظهر أن زرع الألغام وتهديد السفن يقابلهما عمل عسكري مستمرّ لإبقاء المضيق مفتوحًا. وفي ذلك إنذار للنظام الإيراني بأن تحويل الجغرافيا إلى أداة إكراه سيُواجَه بإجراءات قاسية تنتزع منه القدرة على التعطيل.

وعلى الجبهة الإسرائيلية، يأتي تحذير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إيران ووكلاءها عشية الانتخابات ليضيف ضغطًا على المشهد المضطرب. يحمل التهديد بضربات "تفوق التوقّعات" وظيفة ردعية واضحة، بالتوازي مع توظيف انتخابي للخطر الإيراني. ويسعى نتنياهو إلى تثبيت صورته بوصفه الأقدر على مواجهة هذا الخطر، فيما يرفع كلفة أي محاولة إيرانية للتأثير في الاقتراع. وتتمثّل الرسالة السياسية في إبقاء خيار التصعيد العسكري حاضرًا خلال الاستحقاق وبعده.

في المقابل، يعكس موقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جمودًا في المقاربة التفاوضية، حين يؤكّد أن سياسات بلاده ستبقى على حالها سواء اندلعت الحرب أم لم تندلع. وتكشف المطالبة بعودة الاتفاق المنهار، بالتزامن مع الإصرار على تغيير إدارة مضيق هرمز وخروج القوّات الأجنبية، فجوة بين طلب التسوية والتمسّك بفرض الشروط. ويبدو أن طهران تراهن على انتزاع مكاسب من استمرار التوتّر، رغم الأثمان التي يتحمّلها الإيرانيون واستمرار الحصار البحري الأميركي على موانئهم.

وتظهر حدود هذا الرهان داخل إيران نفسها. فدعوة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى خفض استهلاك الغاز بنسبة 10 في المئة على الأقل تكشف ضيق الخيارات قبل الشتاء. وفي بلد منتج للغاز، يكتسب توقّع عجز يومي يتراوح بين 100 مليون و250 مليون متر مكعّب دلالة قاسية على هشاشة الإمدادات. وتعزو التقديرات الرسمية هذا العجز إلى أضرار الحرب، في وقت يزيد فيه الحصار والعقوبات تعقيدات المشهد الاقتصادي. وهكذا تطالب السلطة مواطنيها بالاقتصاد في التدفئة، وتواصل التشبّث بسياسات فاشلة تستنزف قدرتهم على الاحتمال.

ويمتدّ هذا الاستنزاف إلى السعودية عبر العدوان الحوثي المتواصل، الذي يضع حركة السفر ومرافق الاقتصاد وحياة المدنيين في مرمى النيران. فمع استئناف بعض الرحلات في مطار الملك خالد الدولي، أعلن الحوثيون استهدافه مجدّدًا أمس، متمسّكين باعتباره "هدفًا عسكريًّا"، ومحذّرين شركات الطيران والموظفين والمسافرين من استخدامه. وبذلك، يتجاوز أثر الهجمات سقوط الضحايا إلى تعطيل شريان حيوي للمملكة، وإرباك التنقّل، ودفع مؤتمرات وفعاليات دولية إلى التأجيل أو الإلغاء.

في الأثناء، شكّل لقاء رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ووليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض مدخلًا لتثبيت شراكة تتجاوز المساندة العسكرية. فإبقاء منظومة "باتريوت" اليونانية في ينبع يحصّن منفذًا استراتيجيًّا للطاقة، يخفّف ارتهان الصادرات السعودية لهرمز، ويمنح أثينا رصيدًا سياسيًّا. ورسالة القرار واضحة ومفادها أن أمن المملكة يتقاطع مع مصالح دولية، وحماية منشآتها تختبر قدرة الشركاء على ترجمة التضامن إلى التزام دفاعي ملموس يصمد أمام الهجمات وضغوط التصعيد الإقليمي المتواصل.

وبالتوازي، وجّه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز باتخاذ إجراءات دعم تشمل بدلًا شهريًّا بقيمة 500 ريال للفئات المحدّدة، لتخفيف أثر تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه. وتكتسب هذه الخطوة أهمّيتها من تحمّل الدولة مسؤولية الأعباء المعيشية في ظرف أمني واقتصادي ضاغط. وبين حماية الأجواء ودعم الأسر، تبقى أولوية السعودية صون حياة مواطنيها، في حين تواصل الذراع الحوثية لإيران استهداف مقوّمات هذه الحياة.