اليوم، وبفعل السياسات التي انتهجتها إيران عبر حزب الله، وصلنا إلى مشهد معبّر ومستفز في آنٍ واحد: جنود من قوات الاحتلال الإسرائيلي يقترعون داخل منازل لبنانية، من الناقورة إلى بنت جبيل وزوطر الشرقية. مشهد يلخّص التناقض الصادم بين أربعة عقود من شعارات «نحمي ونبني»، وبين واقع يفرض فيه الاحتلال الإسرائيلي وقائعه على الأرض اللبنانية، فيما يدفع اللبنانيون أثمان الدمار والتهجير وفقدان الأمن والاستقرار.
إن تحوّل المنازل اللبنانية إلى مراكز اقتراع لجنود الاحتلال الإسرائيلي ليس مجرد صورة عابرة، بل مشهد تختصر فيه المأساة الوطنية بأبعادها كافة؛ فمن رفع شعار أنه حامي الأرض وباني منازلها، يترك اللبنانيين اليوم أمام قرى مدمّرة وأهالٍ مهجّرين وأرضٍ ينتهك الاحتلال سيادتها. من هنا، يفرض الواقع سؤالًا لا يجوز إسكاتُه بالشعارات ولا التهرّب منه بالتخوين: هل باعت إيران جنوب لبنان للاحتلال الإسرائيلي، بعدما باعت اللبنانيين وهم القوة والانتصار؟
لا دليل معلنًا، حتى الآن، يثبت حصول صفقة مباشرة بين طهران وتل أبيب بشأن الجنوب اللبناني. لكن ألا تكفي السياسات الخاطئة والقرارات المتهوّرة التي اتُّخذتها إيران بهدف إضعاف سلطة الدولة اللبنانية وإلحاق لبنان بمشروع الدولة الإسلامية الخمينية الكبرى، واستنزاف شعبه تمهيدًا لتسهيل استيعابه ضمن هذا المشروع، لنفهم عندها كيف ساهمت إيران من خلال حزب الله وكل من تحالف معه في تهيئة الظروف أمام الاحتلال الإسرائيلي لفرض وقائعه الميدانية وإرادته على الأرض؟.
والأخطر من ذلك أن الوقائع التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي بالقوة قد تتحوّل غدًا إلى أوراق تفاوض في أي تسوية إقليمية مقبلة. عندها، قد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة بالغة الخطورة: أرضٌ تُحتل، وقرى تُدمّر، وسكان يُهجّرون، ثم يُطلب من الدولة والشعب التعامل مع نتائج الأمر الواقع وكأنها حقائق لا يمكن تغييرها.
من هنا، يصبح كشف الوقائع ومصارحة اللبنانيين بالحقيقة ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فهل نحن أمام فصل جديد من صفقات إقليمية تُعقد على حساب الشعوب، فيما تتحوّل أوطانها إلى ساحات لتصفية الحسابات؟ أليست فضيحة «إيران–كونترا» مثالًا تاريخيًا على قدرة المصالح السياسية على تجاوز الشعارات العقائدية، عندما تقتضي الحسابات عقد صفقات مع الخصوم؟ ففي تلك القضية، وافقت إدارة رونالد ريغان الأميركية على صفقات سرية لبيع أسلحة للخميني، رغم العداء المعلن بين الطرفين. لهذا، لا يجوز استبعاد احتمال أن يعقد المتصارعون صفقاتهم على حساب الشعوب، وأن ينسج الأعداء تفاهماتهم في الخفاء ويتقاسموا المصالح من تحت الطاولة، تاركين للشعوب وحدها الدمار والدماء والدموع.
من حق اللبنانيين، الذين أنهكتهم الحروب واستنزفتهم الأزمات، أن يسألوا عن النتائج الفعلية لهذه السياسات، وأن يحاسبوا أصحاب القرار على ما آلت إليه الأوضاع. فبعد انقشاع غبار الدبابات الإسرائيلية المتوغّلة، لم يعد شعار «نحمي ونبني» كافيا لحجب حجم الدمار والخراب، ولا عاد ممكنًا إخفاء الهوّة بين الوعود والواقع. وما قُدّم للبنانيين على مدى سنوات بوصفه قوة ردع وانتصارًا مضمونًا، بات يستوجب مراجعة جدّية في ضوء ما جرى على الأرض. فالقوة التي لا تحمي الناس، والسياسة التي تعرّض الوطن لمخاطر تفوق قدرته على تحمّلها، لا يمكن إعفاؤهما من المساءلة.
ليس المطلوب من اللبنانيين ابتلاع مشاهد القرى المدمّرة والمهجّرة، ولا مشهد جنود الاحتلال الإسرائيلي وهم يقترعون داخل منازل لبنانية، تحت تأثير مخدّر الشعارات الدينية والتعبوية. المطلوب أن تتحوّل هذه المأساة إلى لحظة محاسبة وطنية شاملة، تبدأ بحزب الله وقراراته العسكرية والسياسية، وتنتهي عند المسؤولين السياسيين والعسكريين في الدولة، كلٌّ بحسب صلاحياته ومسؤوليته. فالمحاسبة لا تعني تبرئة الاحتلال من عدوانه، بل تعني أيضًا رفض إعفاء أي طرف لبناني من مسؤوليته عن الخيارات التي اتخذها وعن نتائجها على البلاد والعباد.
فحين تعجز السلطة عن فرض قراراتها، وحين يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية، يصبح الوطن عرضةً لمغامرات لا يملك شعبه قرارها، ولا يستطيع تحمّل نتائجها. كما أن تنفيذ قرارات الحكومة مسؤولية مؤسسات الدولة، وفي مقدّمها الجيش، وفق الدستور والقوانين والإمكانات المتاحة. لذلك، لا يمكن بناء الثقة بين اللبنانيين ودولتهم بالوعود وحدها؛ بل باستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية، ومحاسبة كل من يتجاوز صلاحياته أو يفرّط بالمصلحة الوطنية.
ولعلّ التاريخ اللبناني هو الشاهد الأوضح على خطورة تحويل الأرض إلى ساحة لصراعات الآخرين. فمن «فتح لاند» إلى «إيران لاند»، تتبدّل القوى والشعارات والمرجعيات، لكن النتيجة تتكرّر: أرض لبنانية تُستباح، ودولة تتراجع أمام السلاح الخارج عن سلطتها، وشعب يدفع ثمن معارك لم يقرّر خوضها بإرادته الحرة. وإذا كان اللبنانيون قد اختبروا في مراحل سابقة تداعيات تحويل الجنوب إلى قاعدة لمشاريع إقليمية، فإن التجربة الراهنة تعيد طرح السؤال نفسه بإلحاح أكبر: من يدفع الثمن عندما تتراجع الدولة عن دورها في حماية الوطن، وتُترك أرضه ومصالحه رهينة ميليشيات ومشاريع إقليمية أجنبية؟
إن المأساة لا تكمن في الاحتلال الإسرائيلي وحده، بما يمثّله من اعتداء على الأرض والسيادة وحقوق اللبنانيين، بل أيضًا في استمرار النهج الذي يجعل لبنان مكشوفًا أمام الحروب، ويمنح القوى الخارجية القدرة على توظيف أرضه وشعبه في حساباتها.
لن يستعيد لبنان عافيته ما دام هناك من يسمّي الهزيمة انتصارًا، ويعتبر خدمة المشاريع الخارجية بطولة وطنية، ويطلب من اللبنانيين التصفيق لانتصارات وهمية. فالوطن ليس ورقة تفاوض في يد طهران، ولا ساحة مفتوحة لحسابات تل أبيب، ولا ملكًا لفصيل يقرّر عن اللبنانيين مصيرهم. الوطن ملك أبنائه، وحقهم أن يعيشوا فيه بأمان وكرامة، تحت سلطة دولة واحدة وجيش واحد وقرار سيادي واحد.
فحين تصبح الأرض تحت الاحتلال، والبيوت مدمّرة، والسكان مهجّرين، لا تعود الشعارات دليلًا على الانتصار؛ بل تصبح النتائج الميدانية هي الحكم الذي لا يمكن التهرّب منه.