فتات عيّاد

الاغتيال السياسي في لبنان: العدالة ولو بعد حين!

7 دقائق للقراءة

فيما أعاد مشهد متفجرات ضهر البيدر تحريك الخوف اللبناني من حقبة اغتيالات سياسية جديدة، لا يزال الإفلات من العقاب مستمرًا، سواء في جريمة اغتيال الكاتب والناشط السياسي لقمان سليم، الذي مضت 5 سنوات على اغتياله، أو في جريمة اغتيال الشهيد وليد عيدو، الذي مضى 19 عامًا على اغتياله، وما زالت زوجته تلبس الأسود حتى اليوم.

لكن تعيين وزير العدل عادل نصار محقّقين عدليين العام الماضي أعاد إحياء الأمل بأن الزمن لا يمحو حق العائلات واللبنانيين في المحاسبة وتحقيق العدالة. وهو ما كان موضوع ندوة في وزارة العدل في بيروت بتاريخ 22 تشرين الأول الحالي.


المساءلة القضائية

رعى وزير العدل عادل نصار حلقة نقاش عامة تحت عنوان "نحو المساءلة القضائية: الاغتيال السياسي في لبنان" (Accountability at Work: Political Assassinations in Lebanon)، بدعوة من "مؤسسة لقمان سليم"، وبحضور عدد من أهالي ضحايا الاغتيالات السياسية في لبنان، ونواب وشخصيات حقوقية ومن المجتمع المدني.

وتمحورت النقاشات حول 4 محاور رئيسية: تجارب عائلات الضحايا والمعاناة في أروقة القضاء، وتفكيك آليات الإفلات من العقاب، والسياسات القضائية الواجب اتباعها لتعزيز المساءلة.


وليد عيدو: قاض لم يلق نظامًا قضائيًا ينصفه

شهد التاريخ اللبناني اغتيالات سياسية في عدّة حقبات من القرن الماضي. أمّا اغتيال الشهيد رفيق الحريري عام 2005، ففتح البلاد على مرحلة اغتيالات سياسية لم تندمل جراحها، ولم تتحقّق فيها العدالة حتى اليوم.

يروي زاهر عيدو حكاية والده، الشهيد وليد عيدو: رجل عصامي عمل عقودًا في الجسم القضائي اللبناني، وتولّى منصبَي رئيس محكمة ومدّعٍ عام في الشمال، قبل أن يُنتخب نائبًا لدورتين عن بيروت.

مكالمات هاتفية تهديدية جعلت وليد عيدو يعيش حياة عزلة عن أهله حفاظًا على سلامتهم: حتى في مشوار العائلة للغداء خارج المنزل، كان عيدو يذهب في سيارة بمفرده، ويلتقي بعائلته في الخارج، في محاولة لحمايتهم من أن يموتوا معه في حال اغتياله.

يوم الاغتيال، كان الشهيد وليد عيدو في طريقه للتعزية بأحد الأشخاص، فاتصل بابنه خالد ليذهبا سويًا، ووقع الاغتيال في منطقة الروشة في بيروت، وكانت مأساة آل عيدو: الأب والابن ضحيتا اغتيال سياسي لم تتحقّق فيه العدالة حتى اليوم.


بين الشماتة ومنع العدالة

اغتيال الشهيد وليد عيدو كان محطة مفصلية لاغتيال سياسي تصرف فيه شارع "حزب الله" بشماتة علنية في بيروت، فوزعت البقلاوة، في استباحة غير مسبوقة لأدنى معايير احترام حرمة الموت والعيش اللبناني المشترك.

جرح العائلة على المستوى الإنساني لم يندمل إلى اليوم. 19 عامًا وما زالت زوجة وليد عيدو، أم خالد، تلبس الأسود على زوجها وابنها. وما زال زاهر عيدو يعيش ألم فقدان أخيه السند ووالده.

إلا أن عتب زاهر أصبح مضاعفًا عندما لم تجد العائلة "قاضيًا يدعمنا". فالتحقيق "باغتيال والدي في القضاء اللبناني لم يتجاوز صفحتين ونصف، فيما كل فنادق الروشة الكاشفة على موقع الاغتيال لم تسجل كاميراتها شيئًا، وهو ما يكشف عمق النظام الأمني في حينه وعرقلته للتحقيقات". ويشدد عيدو على أن كل "الشهداء بالرتبة نفسها"، لكنه يتحصر على قاض خدم القضاء، وإلى اليوم لم يجد قضاء لبنانيًا يحقق العدالة في قضية اغتياله!


من "الحقيقة"... إلى "العدالة" لأجل لبنان!

تحدّث المحامي فاروق المغربي عن "القتلى الذين لم يقتلهم أحد"، ربطًا بالسياق السياسي والأمني في ظل سيطرة النظام السوري على لبنان، والذي أدّى إلى إخفاء مستندات وتسجيلات كاميرات ونتائج فحوص الـDNA، ما شكّل عرقلة أساسية للتحقيقات.

في ملف سمير قصير، خسرت ابنتاه معيلهما، ولم يحصل تحقيق جدي بعد تحويل الملف إلى المجلس العدلي، وملفه في فرنسا بقي عالقًا. وفي قضية محاولة اغتيال مروان حمادة لم يصدر حكم إلى اليوم رغم وصول الملف لمرحلة القرار الاتهامي، وذلك بعد توقف تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

ويلفت المغربي، إلى أن أقصى طموحنا في حقبة الاغتيالات السياسية التي عصفت بلبنان، كان "الحقيقة" لأجل لبنان ولم نقل حتى العدالة. ويسأل "هل بوسعنا اليوم أن نطالب بالعدالة؟ سيما وأن وزير العدل مع تعيين محققين عدليين في إغتيالات سياسية سابقة، أحيا الملفات من الموت وعاد ليذكر الناس بأن هناك مسؤولين سياسيين ومواطنين تم قتلهم؟".

المحامي شكري حداد بدوره، أثنى على إسهام وزير العدل عادل نصار بإعادة تفعيل ملفات الإغتيالات السياسية، مركّزا على التطورات التي شهدتها العدلية في العهد الجديد، مع فكفكة عرقلات حصلت سابقا في العدلية، وإعادة تفعيل منظومة المحققين العدليين بهدف ختم جرح كل الضحايا، سواء على المستوى الشخصي أو العام، لنكسر حلقة اللاعقاب.

وعدد حداد أبرز عراقيل تحقيق العدالة: منها غياب الأدلة في حقبات سياسية وأمنية سابقة، أو الحصانات السياسية، أو استغلال ثغرات في أصول المحاكمات الجزائية والمدنية عبر تقديم طلبات نقل ورد ومخاصمة القضاة وتدخل من قبل السلطة التنفيذية في فترات وحكومات سابقة لوقف استنابات أو مذكرات التوقيف.

وشدّد حداد على أنّنا "اليوم ما عدنا نرى هذه الممارسات"، وعن ضرورة حماية القاضي عبر منظومة قضائية تحميه، رأى أنّ ذلك يبدأ من تكريس استقلالية القضاء، ومبدأ تعاون السلطات، وتطوير قدرات التحقيق الجنائي لمواكبة التطوّر التكنولوجي، وحماية الشهود، وعدم عرقلة العدالة بالحصانات السياسية أو القرارات السياسية، وهو ما لم نعد نشهده اليوم.


الإصلاحات القضائية: بالأرقام

الوزير عادل نصار، ركّز في كلمته في حلقة النقاش، على أهمية "نجاح التعيينات القضائية، باختيار قضاة لا أحد يستطيع القول بأن لديهم إنتماءات سياسية، وهو ما ترجم خلال التشكيلات الجزئية"، حيث "لم يتصل أحد".

ويلفت نصار في المقابل إلى أنّ تنفيذ القرارات القضائية ليس بيد القاضي. فمن ضمن العراقيل للعدالة هو التعطيل الإجرائي، الذي كان ممكنًا عندما عطّل تعيين القضاة، وعندما شكلت الحكومة لم يكن هناك مجلس عدلي، وعدد كبير من الغرف كانت شاغرة لعدم حصول التشكيلات القضائية، وبعد عام ونصف، المحاكم نظرت بكل الدفوع وطلبات الردّ، والقضاة عملوا بسرعة وجدية ومهنية.

وبالأرقام، يعطي نصار مثالا عن عدلية جبل لبنان التي ارتفعت إنتاجية القضاء فيها من 87% إلى 400%، وفي بيروت لم يعد هناك ملفات عالقة أو متأخرة لدى النيابات العامة رغم كل التعطيل الذي كان حاصلا قبلا.

وفي بناء الذاكرة، كشف نصار أنه "تواصلت مع النيابات العامة، بهدف حثهم على البحث عندما يكتشفون متفجرات، إذا ما كان هناك ترابط تقني مع متفجرات جرى استعمالها بعمليات اغتيال سابقة. كما قمنا بإرسال كتاب ومراجعات مع وزير العدل السوري، لإطلاع القضاة المعنيين بالتحقيقات بالاغتيالات في لبنان على الأرشيف السوري في حال كان هناك ترابط ما".

أمّا في الخبرات، فتحدّث نصّار عن دعم من الاتحاد الأوروبي بمنحٍ وليس قروضًا، وكذلك دعم من الدولة الفرنسية لتدريب قضاة لبنانيين في فرنسا، مذكّرًا بأنّه، لبتّ النزاعات من المولّدات إلى الاغتيال السياسي في لبنان، هناك 520 قاضيًا في كلّ لبنان، فيما حصّة وزارة العدل هي 0.7% فقط من الموازنة، بينما لم تُجرَ خلال 9 سنوات أيّ مباراة للقضاة، وحاجتنا اليوم إلى 200 قاضٍ على أقلّ تقدير. وحتى معهد الدروس القضائية كان في حالة يُرثى لها، واليوم نحن في طور تحديثه بدعم من السفارة الفرنسية.