د. بولا أبي حنا

البرازيل وأوروبا: اليمين واليسار في معركة تتجاوز صناديق الاقتراع

5 دقائق للقراءة

لم تعد الانتخابات في الديمقراطيات المعاصرة مجرد منافسة بين برامج اقتصادية واجتماعية، ولا تكفي نتائجها وحدها لتحديد الاتجاه الذي يسلكه المجتمع. فقد تحسم صناديق الاقتراع هوية الحاكم، فيما يبقى اتجاه الدولة موضع نزاع. وهذا ما تكشفه الانتخابات البرازيلية الأخيرة، كما تعكسه التحولات السياسية والاجتماعية في أوروبا، حيث يتقدم اليمين في بعض السياقات، فيما يحتفظ اليسار بقدرته على المنافسة في سياقات أخرى.

في 25 تشرين الأول الجاري، فاز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، متغلباً على فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو. وحصل لولا على 51.79 في المئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21 في المئة لمنافسه، وفق النتائج التي أعلنها المجلس الأعلى للانتخابات في البرازيل. غير أن الفارق المحدود لا يسمح بقراءة النتيجة بوصفها تحولاً حاسماً في المزاج السياسي البرازيلي. فاليسار احتفظ بالرئاسة، فيما بقي اليمين قوة انتخابية وازنة، وسط انقسام يعكس خلافات أعمق حول الاقتصاد والأمن ودور الدولة والهوية الوطنية.

وتزداد أهمية هذا الانقسام في ظل رفض فلافيو بولسونارو الإقرار بالهزيمة وإعلانه عزمه الطعن في النتائج والمطالبة بإبطال الانتخابات، مستنداً إلى تمديد ساعات الاقتراع في بعض المراكز. كما يواجه لولا تحدياً سياسياً في التعامل مع كون الكونغرس يضم قوى محافظة وحلفاء لخصمه، ما يحد من قدرته على تحويل برنامجه إلى سياسات من دون تسويات. وهكذا، لا ينتهي الصراع بخروج النتائج، بل ينتقل إلى المؤسسات، حيث يُختبر احترام القواعد الديمقراطية والقدرة على إدارة الاختلاف.

في فرنسا، تتخذ المنافسة مساراً مختلفاً، لكنها تطرح أسئلة متقاربة. فالاستحقاق الرئاسي المقرر عام 2027 يأتي في ظل صعود «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان، واستمرار التشرذم بين القوى الوسطية واليسارية. وقد أعادت التطورات القضائية المرتبطة بلوبان فتح النقاش حول إمكان ترشحها، بعدما أتاح قرار الاستئناف لها خوض الانتخابات بشروط مرتبطة بتنفيذ العقوبة. ولا يقتصر معنى صعود اليمين القومي على فرص حزب بعينه، بل يرتبط بقدرته على استثمار المخاوف من الهجرة والأمن وتراجع الثقة بالنخب السياسية التقليدية.

وفي المقابل، كشفت الاحتجاجات الفرنسية الأخيرة عن توتر اجتماعي وسياسي لا يمكن اختزاله في مواجهة بين اليمين واليسار. ففي 24 تشرين الأول، شهدت البلاد تظاهرات واسعة، كانت غالبيتها سلمية قبل وقوع مواجهات في باريس ومرسيليا مع حلول المساء. وقد تداخلت في المشهد مطالب اجتماعية واحتجاجات سياسية ومخاوف أمنية، فيما حاولت قوى مختلفة توظيف الاضطرابات لتأكيد روايتها عن أزمة الحكم. لكن الاحتجاج على الحكومة لا يعني بالضرورة تأييد المعارضة، كما أن المشاركة في تحرك اجتماعي لا تكشف وحدها عن الخيار الانتخابي للمواطن.

هنا تبرز نقطة الالتقاء بين البرازيل وأوروبا، من دون إغفال الاختلافات بين النظامين السياسيين والسياقين الاجتماعيين. ففي البرازيل، تمحورت المنافسة الرئاسية حول إرث حكم بولسونارو وسياسات لولا الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب قضايا الأمن والاستقطاب المؤسسي. أما في فرنسا، فتتداخل المنافسة مع أزمة تمثيل الأحزاب التقليدية، والخلاف حول الهجرة والسيادة الأوروبية، والقلق من تراجع الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة. وفي الحالتين، يصعب تفسير خيارات الناخبين من خلال الانتماء الأيديولوجي وحده.

فاليمين يركز، بدرجات متفاوتة بين أحزابه، على السيادة وضبط الحدود والنظام، فيما يضع اليسار التفاوت الاجتماعي وحماية الخدمات العامة في صلب خطابه. لكن هذه الفوارق لا تلغي التقاطعات ولا تجعل أياً من المعسكرين كتلة متجانسة. فقد يصوت المواطن لحزب محافظ بسبب مخاوفه الأمنية، ثم يطالب بسياسات اجتماعية أكثر سخاء؛ وقد يؤيد حزباً يسارياً دفاعاً عن الخدمات العامة، من دون أن يتبنى جميع مواقفه في الهجرة أو السياسة الخارجية. لذلك، لا تكفي الشعارات لتفسير التصويت، كما لا تكفي نتائج الانتخابات وحدها لفهم التحولات التي تصنعها.

وتصبح هذه التحولات أكثر خطورة عندما ينتقل الخلاف من التنافس على البرامج إلى التشكيك في شرعية الخصم. فالديمقراطية لا تقتصر على حق الأكثرية في الحكم، بل تقوم أيضاً على حق الأقلية في المعارضة، وعلى استقلال المؤسسات وقدرتها على تطبيق القواعد على الجميع. وعندما يصبح كل فوز دليلاً على امتلاك الحقيقة، وكل خسارة مبرراً لرفض النتائج، تتحول الانتخابات من وسيلة لتنظيم التنافس إلى مصدر إضافي للانقسام.

ولا يمكن فصل ذلك عن الاقتصاد. فالحكومات مطالبة بتحسين القدرة الشرائية وتأمين الخدمات وفرص العمل، في ظل قيود مالية وتوقعات اجتماعية متزايدة. وفي البرازيل، سيحتاج لولا إلى الجمع بين استدامة البرامج الاجتماعية والتعامل مع موازين القوى داخل المؤسسات. وفي فرنسا، ستظل قضايا المعيشة والهجرة والثقة بالحكم حاضرة في النقاش الانتخابي. وفي الحالتين، لن تحسم الخطابات وحدها اتجاه المرحلة المقبلة؛ فالمعيار الأساسي يبقى قدرة السياسات على الاستجابة لمطالب المواطنين من دون وعود يصعب تنفيذها أو إجراءات تزيد شعورهم بالتهميش.

لا تكشف البرازيل وأوروبا، إذاً، عن انتصار نهائي لليمين أو عودة حاسمة لليسار، بل عن منافسة مفتوحة تتغير فيها التحالفات والأولويات، وتظل نتائجها رهناً بتجربة المواطنين مع الحكم. فالمعركة الحقيقية لا تنتهي ليلة الانتخابات، وإنما تبدأ في اليوم التالي: حين يصبح على الفائز أن يحكم مجتمعاً لم يصوّت كله له، وعلى الخاسر أن يمارس المعارضة من دون تقويض قواعد اللعبة، وعلى المؤسسات أن تثبت أن الدولة أوسع من أي حزب. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الشعوب على اختيار حكامها، بل أيضاً بقدرة الجميع على إدارة الخلاف من دون تحويله إلى انقسام دائم.

أستاذة جامعية