المخرج رمال أبي يونس

في الأردن ثلاثة أيام وفي بيروت ست سنوات والعدالة لم يفرج عنها بعد

9 دقائق للقراءة

في الأردن، ثلاثة أيام كانت كافية للوصول إلى المشتبه بهم في مجزرة الكرك.

وفي لبنان، أكثر من ست سنوات لم تكن كافية لإيصال قضية انفجار مرفأ بيروت إلى أحكام قضائية.

هناك تحرّكت الأجهزة الأمنية حتى وصلت إلى المطلوبين، وهنا لا يزال أهالي الضحايا يتحركون بين المحاكم والساحات بحثًا عن حقيقة لم تكتمل.

وبين ثلاثة أيام وست سنوات، يبرز سؤال يتجاوز كفاءة الأجهزة الأمنية إلى مسؤولية الدولة ومؤسساتها:

ماذا يحدث عندما تتوافر القدرات، لكن العدالة تتعثر عند أبواب السياسة والحصانات والتجاذبات؟

ففي الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026، اهتزّت المملكة الأردنية الهاشمية على وقع جريمة دامية استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، أثناء مراسم جنازة. تسعة قتلى وعشرات الجرحى، وعائلات فقدت أحباءها، ومجتمع استيقظ على مشهد من الدم والحزن والخوف. لكن المشهد لم يتوقف عند الجريمة.

فبعد ثلاثة أيام فقط، أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية أن عملية أمنية مشتركة انتهت بتحديد مكان المشتبه بهم الثلاثة، ومحاصرتهم داخل منزل مهجور في منطقة الجديدة بمحافظة الكرك، واعتقالهم بعد اشتباك مسلح أُصيبوا خلاله، من دون تسجيل إصابات في صفوف القوة الأمنية. ثلاثة أيام من العمل الأمني والاستخباري والملاحقة الميدانية، انتهت بإلقاء القبض على المشتبه بهم. وبقي للقضاء أن يستكمل التحقيقات ويكشف الدوافع ويحدد المسؤوليات ويصدر أحكامه.

أما في لبنان، فقد مرّت أكثر من ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت، ولا يزال أهالي الضحايا ينتظرون الحقيقة الكاملة والمحاسبة. ففي الرابع من آب 2020، عند السادسة وثماني دقائق مساءً، لم ينفجر مرفأ بيروت وحده، بل انفجرت معه مدينة بأكملها. لم تكن كارثة عابرة، بل أحد أعنف الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، وقع في قلب العاصمة اللبنانية، وبين أحياء سكنية مكتظة، وفي دولة يفترض أن تكون مؤسساتها مسؤولة عن حماية مواطنيها. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يجوز لأي مسؤول أن يتهرب منه. كيف استطاعت الأجهزة الأمنية الأردنية الوصول إلى المشتبه بهم في جريمة إرهابية خلال ثلاثة أيام، فيما لم تستطع مؤسسات الدولة اللبنانية، بعد أكثر من ست سنوات، إيصال قضية انفجار المرفأ إلى خواتيمها القضائية؟

قد يحاول البعض تفسير هذا الفارق بالقول إن الأجهزة الأمنية اللبنانية لا تمتلك الإمكانات اللازمة، أو إن قدراتها محدودة، أو إن كشف الجرائم الكبرى يحتاج إلى تقنيات وخبرات لا تتوافر في لبنان. لكن هذه الحجة تصطدم بواقع مختلف.

فلبنان يمتلك أجهزة أمنية وعسكرية ذات خبرات متقدمة، أثبتت قدراتها في مكافحة الإرهاب وكشف الشبكات الإجرامية وتنفيذ عمليات أمنية واستخبارية معقدة. وفي مقدمة هذه الأجهزة شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ومديرية المخابرات في الجيش اللبناني، فضلًا عن وحدات متخصصة تضم عناصر وضباطًا يمتلكون خبرات ميدانية عالية.

ولمن نسي، فإن السرية الخاصة في وحدة القوى السيارة، المعروفة باسم «الفهود» في قوى الأمن الداخلي وعلى رأسها آنذاك المقدم طلال بويونس، أحرزت المركز الأول في بطولة المحارب الدولية عام 2016، وعادت لتحقق الإنجاز نفسه عام 2018، متقدمة على فرق نخبة عالمية، بينها فرق من الصين والولايات المتحدة الأميركية والمفارقة اللافتة أن هذين الإنجازين تحققا على أرض المملكة الأردنية الهاشمية نفسها، في مركز الملك عبدالله الثاني لتدريب العمليات الخاصة.

نعم، على الأرض الأردنية التي شهدت قبل أيام عملية أمنية انتهت باعتقال المشتبه بهم في مجزرة الكرك، سبق لرجال الأمن اللبنانيين أن رفعوا علم لبنان في المركز الأول عالميًا. إذًا، نحن لا نتحدث عن بلد يفتقر إلى الكفاءات، ولا عن أجهزة عاجزة عن العمل، ولا عن رجال أمن تنقصهم الشجاعة أو الاحترافية.

نحن أمام دولة تمتلك قدرات أمنية حقيقية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تمتلك مؤسساتها الإرادة والاستقلالية والقرار اللازم لتوظيف هذه القدرات في خدمة الحقيقة، بعيدًا عن التدخلات والضغوط والحسابات السياسية؟

فالمشكلة ليست بالضرورة في قدرة المحقق على الوصول إلى الدليل، بل في قدرة المؤسسات على حماية التحقيق، وضمان التعاون معه، وإزالة العقبات القانونية والسياسية التي قد تمنع وصوله إلى نهايته.

وهنا لا بد من التمييز بين جريمتين مختلفتين في طبيعتهما. ففي الأردن، كان المطلوب تحديد هوية مشتبه بهم في هجوم مسلح وملاحقتهم. أما في بيروت، فالتحقيق يتناول انفجارا كارثيا، وسلسلة طويلة من القرارات والتحذيرات والمسؤوليات المحتملة، تتداخل فيها الإدارات والمؤسسات والسلطات لكن اختلاف طبيعة التحقيقين لا يبرر وحده كل سنوات التعطيل والتأخير. فحين تتوافر الكفاءات الأمنية، وتبقى العدالة عالقة لسنوات، يصبح من حق المواطن أن يسأل: أين يبدأ العجز المؤسساتي، وأين تنتهي مسؤولية السياسة؟

بعد أكثر من ست سنوات، لا تزال الأسئلة الجوهرية التي طرحها اللبنانيون منذ اللحظة الأولى تحتاج إلى أجوبة قضائية حاسمة من أدخل نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت؟ ولمصلحة من وصلت؟ ولماذا بقيت مخزنة طوال سنوات في ظروف خطرة؟ من علم بوجودها؟ من تلقى التحذيرات؟ من كان يملك صلاحية اتخاذ القرار ولم يتخذه؟ ومن يتحمل المسؤولية الجزائية عن الأفعال أو الإهمال الذي ساهم في وقوع الكارثة؟ هذه ليست أسئلة سياسية تُطرح لملء ساعات البث التلفزيوني، ولا شعارات تُرفع في ذكرى الرابع من آب إنها أسئلة تتعلق بحياة بشر، وبمسؤولية مؤسسات، وبحق شعب في معرفة كيف تحولت عاصمته إلى ساحة دمار خلال ثوانٍ لقد واجه التحقيق في انفجار المرفأ عراقيل متكررة، من دعاوى الرد والمخاصمة إلى النزاعات القضائية والخلافات حول الصلاحيات والحصانات والامتناع عن المثول أمام المحقق العدلي.

ومع ذلك، واصل القاضي طارق البيطار عمله، وشهد الملف خلال عام 2026 تقدما مهما، مع إنجاز النيابة العامة التمييزية مطالعتها، واقتراب التحقيق من مرحلة القرار الاتهامي. لكن هذا التقدم، على أهميته، لا يمحو السنوات التي انقضت، ولا يعيد الضحايا إلى الحياة، ولا يعفي المؤسسات المعنية من الإجابة عن أسباب التأخير والأخطر من التأخير نفسه أن يتحول انتظار العدالة إلى واقع طبيعي، وأن يعتاد اللبنانيون رؤية أهالي الضحايا يحملون الصور أمام قصر العدل، وكأن المطالبة بالحقيقة أصبحت مسؤولية العائلات بدلًا من أن تكون واجب الدولة.

فأن يموت الإنسان في كارثة هو فاجعة، أما أن تبقى عائلته سنوات تبحث عن الحقيقة، فتلك فاجعة تتجدد كل صباح. ففي الأردن لاحقت الأجهزة المشتبه بهم... وفي لبنان يلاحق الأهالي العدالة.

أما في الأردن، تحركت الأجهزة الأمنية بحثا عن المشتبه بهم، وانتقلت من جمع الأدلة إلى الملاحقة الميدانية، وصولا إلى الاعتقال. أما في لبنان، فقد اضطر أهالي ضحايا المرفأ إلى خوض معركة طويلة للمطالبة باستمرار التحقيق وحمايته من التعطيل.

في الأردن، كان على الأجهزة الأمنية أن تبحث عن المشتبه بهم، وفي لبنان أصبح على أهالي الضحايا أن يناضلوا كي لا تضيع الحقيقة بين المراجعات والحصانات والتجاذبات. والدولة اللبنانية لم توفر للقضاء الظروف اللازمة ليعمل باستقلالية ولم تتعاون جميع الجهات مع التحقيق بالقدر الذي تفرضه خطورة الجريمة ولم تستُخدم الإجراءات القانونية لضمان المحاكمة العادلة، وتحولت بعض هذه الإجراءات إلى وسائل للتأخير والمماطلة.

هذه جزء من الإجابات على المساءلة التي تستحقها عائلات الضحايا، فالدولة ليست بيان تعزية ولا إكليل زهور،

الدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها بعد وقوع الكوارث، ولا بعدد المسؤولين الذين يتفقدون مواقع الانفجارات.

الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، وبمدى استعداد مؤسساتها لمحاسبة المسؤولين عندما تفشل في حمايتهم.

فما قيمة الدولة إذا كان المواطن يخشى أن يموت بسبب الإهمال، ثم يخشى أهله أن تضيع حقيقة موته في دهاليز السياسة والقضاء؟ وما معنى المؤسسات إذا كانت قادرة على تنظيم مراسم الحداد، لكنها تتعثر سنوات في الوصول إلى المحاسبة؟

وما قيمة الحصانات إذا تحولت، بدلًا من حماية انتظام العمل العام، إلى عوائق أمام مساءلة من قد تثبت مسؤوليتهم؟

ليس المطلوب من القضاء اللبناني أن يدين أحدا مسبقا، أو أن يصدر أحكاما تحت ضغط الشارع أو الإعلام. فالعدالة الحقيقية لا تقوم على الانتقام، بل على الأدلة والمحاكمة العادلة وقرينة البراءة المطلوب ببساطة أن يصل التحقيق إلى نهايته، وأن تُحدد المسؤوليات وفق القانون، وأن يمثل أمام القضاء كل من تستدعي الأدلة مساءلته، مهما كان منصبه أو نفوذه أو انتماؤه فلا يجوز أن يكون المنصب أعلى من القانون، ولا أن تكون الحصانة أقوى من العدالة، ولا أن يصبح النفوذ السياسي جدارا يفصل الضحايا عن الحقيقة. فإن المقارنة بين الأردن ولبنان ليست منافسة بين بلدين، ولا محاولة للانتقاص من مؤسسات الدولة اللبنانية بل إنها مناسبة لطرح سؤال أساسي عن معنى الدولة، وعن الفرق بين امتلاك القدرة على العمل، وتوفير الشروط السياسية والقضائية والمؤسساتية التي تسمح لهذا العمل بأن يصل إلى نتيجته.

وفي هذا السياق، فإن إنجاز الأجهزة الأمنية الأردنية لا يعني انتهاء العدالة، لأن الاعتقال بداية لمسار قضائي يجب أن يكشف الحقيقة كاملة ويضمن محاكمة عادلة كما أن تعثّر ملف المرفأ لا يعني أن الحقيقة ماتت، أو أن جميع العاملين في القضاء والأجهزة الأمنية تقاعسوا عن واجباتهم لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن ست سنوات من الانتظار تمثل عبئا هائلا على عائلات الضحايا، وعلى ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم. وما زال السؤال نفسه يتردد في بيوت بيروت: لماذا ماتوا، ومن المسؤول؟

في الختام، ثمة حقيقة لا تستطيع السنوات محوها، ولا تستطيع الخطب إخفاءها، ولا تستطيع التسويات السياسية أن تجعل اللبنانيين ينسونها. في الرابع من آب 2020، عند السادسة وثماني دقائق مساءً، توقفت حياة مئات العائلات عند لحظة واحدة. ومنذ ذلك اليوم، تحركت عقارب الساعات في كل مكان، إلا في ذاكرة بيروت. ما زال عقرب الساعة عالقا عند السادسة وثماني دقائق. هناك، حيث سقط الضحايا، وتدمرت البيوت، وانكسرت قلوب الأمهات، بدأت مأساة لم تنتهِ بعد.

لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يلاحق كل مسؤول لبناني ليس كيف استطاع الأردن اعتقال المشتبه بهم خلال ثلاثة أيام،

بل لماذا لم تستطع مؤسساتنا، بعد أكثر من ست سنوات، أن تمنح عائلات ضحايا المرفأ خاتمة قضائية واضحة لهذه المأساة؟

فالضحايا لا يحتاجون إلى دموع المسؤولين أمام الكاميرات، ولا إلى أكاليل الزهور، ولا إلى خطابات الوفاء في كل ذكرى

إنهم يحتاجون إلى حقيقة لا تُخفى، ومسؤوليات لا تُطمس، وعدالة لا تتوقف عند أبواب أصحاب النفوذ، فالموت أخذ من أهالي الضحايا أحبّاءهم في لحظة واحدة، أما انتظار العدالة فيأخذ من أعمارهم شيئًا كل يوم، وإذا كان انفجار الرابع من آب قد دمّر جزءًا من بيروت، فإن بقاء الحقيقة بلا خاتمة قضائية عادلة يواصل تدمير ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بدولتهم.