دخل الإسرائيليون يومهم الانتخابي الطويل أمس وهم يحملون إلى الصناديق أثقال ثلاث سنوات من الحروب المصيرية والانقسامات السياسية، وخرجوا منه أمام مشهد يوحي بأنّ معركة الحكم ستطول. فقد أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع التي أجرتها شبكات تلفزيونية كبرى تقدّمًا طفيفًا لكتلة المعارضة على معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع بقاء الطرفين دون الغالبية اللازمة لتشكيل حكومة. وتصدّر "الليكود" الأحزاب منفردًا، متقدّمًا على "يشار" بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، في حصيلة أولية تمنح نتنياهو صدارة حزبية وتحرمه غالبيّته، وقد تُعطي منافسه فرصة التغيير من دون مفاتيح الحكم كاملة.
في أوّل اقتراع منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، امتزج الخوف على الأمن بالقلق على هوية الدولة اليهودية، وتحوّل الإقبال الكثيف، الذي بلغ 77.7 في المئة، إلى تعبير عن شعور واسع بأنّ مستقبل الحكم يستحقّ تعبئة شعبية استثنائية. وبين الطوابير الممتدّة والعائدين من الخارج خصيصًا للتصويت، بدت إسرائيل مستنفرة لإصدار حكم على مرحلة كاملة. لكنّ المؤشرات الأولى لهذا الحكم أبقت انتقال السلطة رهن تفاهمات شاقّة، وأبرزت دور الأحزاب العربية في تحديد مآلات المواجهة بين المعسكرين.
حضرت في خيارات الناخبين أسئلة المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر، وكيفية إدارة الحروب المتعدّدة الجبهات، وتزايد العزلة الدولية بفعل الدمار في غزة والتوسّع الاستيطاني والعنف في الضفة الغربية. وتحت وطأة هذه الملفات، تداخل التنافس على رئاسة الحكومة مع محاسبة نهج كامل في إدارة الأمن والسياسة والعلاقات الخارجية. فالدولة التي خاضت حروبها بشعار ضمان البقاء وجدت نفسها أمام انقسام عميق حول الطريق إلى هذا الضمان، وحول أهلية القيادة التي تَعِد به.
اختصر نتنياهو توتّر المعركة بمحاولاته المتلاحقة لاستنفار مؤيّديه. استدعى خطر الأحزاب العربية واليسار، وحذّر من "سرقة الانتخابات"، فيما طلب حزبه تمديد التصويت إلى ما بعد العاشرة مساءً، من دون أن توافق السلطات الانتخابية. وبلغ إلحاحه حدّ مطالبة أنصاره بترك حفلات الشواء والشواطئ والتوجّه إلى الصناديق، كأنّ كلّ صوت بات ضرورة لإنقاذ موقعه في الحكم. هكذا دخلت إدارة الاقتراع نفسها في التجاذب، وسط اتهامات المعارضة له بالبحث عن ذرائع للطعن في النتائج. وبدا الرجل الذي أمضى أكثر من 19 عامًا في رئاسة الحكومة، على فترات متقطّعة، مستعدًّا لاستخدام كلّ أدوات الحشد في معركة بقائه السياسي.
وفي شوارع القدس، قدّم مرور سيارات ترفع أعلام "الليكود" وتبثّ الأذان عبر مكبّرات الصوت، داعية الأنصار إلى الخروج لأنّ "العرب يدلون بأصواتهم"، أحد أكثر مشاهد النهار تعبيرًا عن خطاب التعبئة. تحوّل تصويت المواطنين العرب إلى إنذار موجّه لليمين، فيما أظهرت استطلاعات الخروج مكاسب قويّة لأحزابهم مع إقبال قاعدتها الانتخابية بكثافة على الاقتراع. وتصاعد التوتّر مع إعلان حزب "الديموقراطيون" اليساري توقيف رجل يحمل سكينًا اقترب مهدّدًا من زعيمه يائير غولان. وعلى الضفة الأخرى من مشهد الاستنفار، زار آيزنكوت قبر ابنه غال، الذي قُتل في غزة، حاملًا خسارته الشخصية إلى يوم المحاسبة العامة، قبل أن يدعو إلى تغيير "أسوأ حكومة منذ قيام الدولة".
ومع إعلان الاستطلاعات، اعتبر آيزنكوت أنّها أظهرت "انعدامًا تامًّا للثقة" برئيس الوزراء. غير أنّ ترجمة هذا الحكم السياسي إلى انتقال فعلي للسلطة تبقى الاختبار الأصعب لمنافسي نتنياهو. فبحسب الصورة الأولية، خسر رئيس الوزراء ومعسكره غالبيّتهما، بينما بقي المعسكر المنافس عاجزًا عن تأمين غالبية بديلة من صفوفه. وهكذا اقترنت خسارة نتنياهو القدرة على الحكم بأصوات حلفائه وحدهم بعجز آيزنكوت عن تولّي الحكم من دون دعم عربي، ما دام توازن القوى على حاله.
ويبرز موقع "القائمة العربية الموحدة" و"القائمة المشتركة"، اللتين تقعان خارج كتلة المعارضة، وقد أبدتا انفتاحًا على دعمها. ويقود آيزنكوت عبر حزب "يشار" تجمّعًا غير رسمي يمتدّ من اليمين إلى يسار الوسط، يجمعه هدف إزاحة نتنياهو، فيما تختبر الحاجة إلى الأصوات العربية قدرته على التماسك. فالأحزاب التي التقت على إنهاء حكم رئيس الوزراء ستجد نفسها أمام استحقاق الاتفاق على شروط البديل، وحدود الشراكة التي يمكن أن تقبل بها للوصول إليه.
وتتقدّم، في ضوء هذه المعادلة، فرضية حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت تستند إلى دعم عربي من خارج الائتلاف. ويتوقّف هذا المسار على تحويل الانفتاح المعلن إلى تفاهمات عملية، وعلى قبول شركائه، خصوصًا اليمينيين منهم، بهذه الصيغة. وتكمن عقدته في الفجوة بين الحاجة إلى الأصوات العربية والتحفّظات السياسية على الاعتماد عليها. فالدعم الخارجي، وإن اختلف عن المشاركة الوزارية، يرتّب التزامات متبادلة تتجاوز لحظة تشكيل الحكومة إلى الموازنة والتشريع والقرارات الأمنية. وقد يفتح تقاطع المصالح الطريق أمام إزاحة نتنياهو، فيما يبقى استمرار الحكومة مرهونًا بإدارة التناقضات بين القوى التي أتاحت قيامها.
ويظلّ احتمال حكومة وحدة تجمع نتنياهو وآيزنكوت حاضرًا في حسابات الخروج من الانسداد، وإن كان يصطدم برفض آيزنكوت هذا الخيار. وقد يدفع توازن المقاعد وضغط الملفات الأمنية نحو محاولات لتليين المواقف، لكنّ الانتقال إلى هذه الصيغة يتطلّب تراجعًا سياسيًّا كبيرًا من زعيم خاض معركته على أساس تغيير الحكومة وإزاحة رئيسها. وأيّ تفاوض في هذا الاتجاه سيضع على الطاولة هوية رئيس الحكومة، وإمكان التناوب، ومصير أحزاب اليمين المتشدّد، وآلية التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر. ولذلك، يبقى هذا الاحتمال محكومًا بعقبات تتجاوز الحساب العددي للمقاعد.
أمّا إذا تعذّر الاتفاق على دعم عربي لحكومة يقودها آيزنكوت، واستمرّ رفض حكومة الوحدة، فيزداد احتمال العجز عن التأليف والذهاب إلى انتخابات جديدة. وفي هذا السيناريو، يستطيع نتنياهو البقاء على رأس حكومة تصريف أعمال، مستفيدًا من موقعه رغم خسارة معسكره الغالبية، بينما تواجه المعارضة مأزق تحويل تقدّمها إلى سلطة فعلية. وتحمل استطلاعات الخروج لكلّ طرف وجهًا من وجوه النصر وآخر من وجوه الهزيمة، وتترك الحسم لمفاوضات قد تكون أشدّ تعقيدًا من المعركة الانتخابية نفسها.
ومهما استقرّت عليه معادلة الحكم، تبقى استمرارية التوجّهات الأمنية الأساسية أرجح من حدوث انقلاب استراتيجي بمجرّد تبدّل رئيس الوزراء. فآيزنكوت يأتي من المؤسّسة العسكرية ويحمل مواقف أمنية متشدّدة، ويخوض المنافسة داخل مجتمع أعادت صدمة 7 أكتوبر تشكيل أولوياته. وقد تتبدّل لغة الحكومة وعلاقتها بالحلفاء وأدواتها الدبلوماسية، فيما يستمرّ التعامل مع النظام الإيراني و"حزب الله" بمنطق منع تراكم الأخطار والاستعداد الدائم لاستخدام القوّة. وتبقى هوية مَن يدير هذا النهج ومقدار انضباطه السياسي معلّقين على معركة تشكيل الحكومة، بعدما رسمت الاستطلاعات الأولى حدود قوّة المتنافسين وتركت باب الحكم مفتوحًا على المساومات والانسداد.