قد تكون المفارقة الأكبر في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أن بنيامين نتنياهو، الذي جعل من الخطر القادم من غزة محورًا لسياساته وحساباته الأمنية، قد يجد نفسه أمام «طوفان أقصى» سياسي جديد يأتيه من داخل إسرائيل نفسها، عبر أصوات المواطنين العرب الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.
فالوجه الآخر للانتخابات الإسرائيلية لا يقتصر على التنافس بين الأحزاب والمعسكرات السياسية، بل يتجاوز ذلك إلى اختبار أعمق يتعلّق بمدى ارتباط العرب الإسرائيليين بجذورهم الفلسطينية، وبالتالي بمدى اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي.
لهذا قد يجد نتنياهو نفسه أمام مفارقة سياسية تختصرها عبارة الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر في خطاب 23 تموز 1967: «انتظرناهم من الشرق فجاؤوا من الغرب». فبينما ينشغل نتنياهو بمواجهة الخطر العسكري القادم من غزة، قد تأتيه ضربة سياسية قاضية من داخل إسرائيل، إذا تحولت أصوات الناخبين العرب إلى قوة تساهم في إضعاف موقعه الانتخابي. وعندها، لن تكون المسألة مجرد خسارة مقاعد، بل احتمال اختلال الحسابات التي تقوم عليها معركة تشكيل الحكومة.
إن ارتفاع نسبة المشاركة العربية، إذا اقترن بتوحيد الموقف وتنسيق الجهود بين الأحزاب العربية، قد يخلط الأوراق داخل الكنيست، ولا سيما عندما تكون الفوارق بين المعسكرات المتنافسة ضيقة. لكن، على الرغم من قدرة هذه الأصوات على إرباك حسابات نتنياهو وإضعاف فرصه في الاحتفاظ بالسلطة، فإنها لن تتحول، في ظل التركيبة السياسية الإسرائيلية الحالية، إلى نفوذ حكومي فعلي. وهنا تكمن المفارقة: قد يمتلك العرب القدرة على التأثير في مصير نتنياهو السياسي، من دون أن يمتلكوا القدرة على التأثير في هوية الحكومة المقبلة أو تغيير سياساتها.
لهذا، فإن رحيل نتنياهو، إن حدث، لا يعني بالضرورة سقوط النهج السياسي الذي ساهم في استمرار الصراع، بل يعني سقوط نتنياهو شخصيًا، إذ قد يتغيّر رئيس الحكومة في إسرائيل، فيما تستمر السياسات ذاتها.
في النهاية، ستكشف الانتخابات الإسرائيلية الكثير، وقد تحمل نتائج مفاجئة وصادمة تربك مستقبل نتنياهو السياسي. لكن هناك احتمالًا أيضًا بألّا يتجاوز تأثير الأصوات العربية حدود التمثيل البرلماني. في كل الأحوال، فإن دلالات هذه الانتخابات ستتخطى عدد المقاعد، إذ ستقدّم صورة عن العلاقة بين حمل الهوية الإسرائيلية والانتماء إلى دولة إسرائيل، وعن المسافة التي تفصل بين حمل الجنسية الإسرائيلية والتمسّك بالجذور الفلسطينية. وعند إعلان النتائج، لن يقتصر السؤال على من ربح الانتخابات ومن خسرها، بل سيمتدّ إلى ما ستكشفه عن العرب في إسرائيل، وموقع القضية الفلسطينية في وجدانهم، ومدى اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي.