روزيت فاضل

أمسية في "موسيقيات بعبدات" تنصف الكلاسيك اللبناني

6 دقائق للقراءة

حرص مهرجان "موسيقيات بعبدات"، في أمسيته الموسيقية الثالثة لهذا الموسم، على تكريم بعض روّاد "السوناتات اللبنانية" في "قاعة المخلّص - الكنيسة الجديدة" في بعبدات، بعزف متكافئ وحوار متكامل بين عازف الكمان ماريو الراعي وعازف البيانو جورج دكاش، استعاد الجمهور معهما أهمية "الجذور" في موسيقى كلاسيكية محلية جادّة وعميقة، أبدعها أعلام طبعوا الذاكرة الفنية في لبنان، على غرار رائد مدرسة الكروماتية والتعبيرية الشرقية الأرمنية بوغوص جلاليان (1927-2011)، في تحية تكريمية تمهيدًا لمئويته، ورائد مدرسة الانطباعية الفرنسية الشرقية جورج باز (1926-2012)، الذي سبق أن كُرِّم في مئويته، إضافة إلى أربعة مؤلّفين معاصرين يمثّلون الذاكرة الكلاسيكية الحيّة، حضر منهم اثنان، هما سيفاك ديرغوغسيان (1977) وهُتاف خوري (1967)، فيما سُجّل غياب كلّ من إياد كنعان (1967) بداعي الزكام الشديد، وكلود شلهوب (1974) بسبب إقامته خارج لبنان (في لندن سابقًا وفي فيينا حاليًّا).

هذا الحفل، الذي أقيم بالتعاون مع "مؤسسة سعدالله ولبنى خليل الاجتماعية والثقافية" و "بيت التباريس"، هو، وفقًا لمؤسِّسة الأخير زينة صالح كيالي، إثبات جديد لدور مجموعة من الروّاد في الموسيقى الكلاسيكية في لبنان، ومحاولة لرفع الغبن عن بعضهم. كما أثنت كيالي على أهمية السعي الدؤوب للاحتفال بمئوية ميلاد بوغوص جلاليان عام 2027، وإبراز دوره الريادي في الموسيقى.


تكريم مستحق

تحوّلت الأمسية، التي قدّم فيها جورج دكاش سردًا قصصيًّا مقتضبًا لسِيَر المكرَّمين قبل أداء مقطوعاتهم، إلى محاولة لتعزيز الثقة المسلوبة بلبنان اليوم، المنهك ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وسط مساعٍ محدودة، كما هي الحال في هذا الحفل الموسيقي التكريمي، لجعل الثقافة بكل مكوّناتها أداة صمود في وجه العاصفة التي تهدّد كيان وطننا وتنوّعه الثقافي.

كنا أمام عزف متقن لكلّ من دكاش والراعي. اتّسم الأول بقدرة مميّزة جدًّا على تطويع أصابعه، التي تنساب على مفاتيح البيانو بخفّة ورشاقة، مجسّدًا نبض المؤلّفات ببراعة عزفه، فيما أعطى الثاني مكانة خاصة لحوار آلته المتدفّق مع البيانو، عاكسًا بذلك تمرّسه في العزف على الكمان، في أداء بدا امتدادًا لمشاعره.

كان الضيف الأول في الأمسية سيفاك ديرغوغسيان، الذي يجمعه بهُتاف خوري، كما قال دكاش، النمط المعاصر في التأليف الموسيقي، مع حرص كلّ منهما على المزج بين الكتابة الغربية، من جهة، والموسيقى الشرقية بكل أطيافها، من جهة أخرى. وهذه من المسلّمات التي يحافظ عليها المؤلّفان بامتياز.

جلس ديرغوغسيان بقربنا منتظرًا أداء أول مقطوعة ألّفها في صباه، أي في ربيع عمره، بعنوان "نوكتورن المصنّف الأول"، عام 1999، وهي حكاية ليل ساطع بالنور تعكس الحلم الشبابي بالأفضل. انطلق عزف الثنائي على البيانو والكمان، وبدا التأثّر في عيني ديرغوغسيان. شقّت نوتات الموسيقى طريقها إلينا من العتمة إلى النور، راسمةً بذلك قدر الإنسان.

تتساءل عمّا إذا كان الحلم يراود ديرغوغسيان اليوم كما كان في السابق. تُقنع نفسك بذلك، لأنّه حافز مهم للإبداع. انتهى العزف، فصعد ديرغوغسيان محيّيًا العازفين ومسرورًا بالأداء، طبعًا.

كان الضيف الثاني الحاضر في الأمسية هُتاف خوري. جلس قربنا بثقة واضحة وهدوء لافت. أثنى دكاش على أهمية مؤلّفات خوري العابرة للحدود ورصيده الزاخر بالتأليف. عزف الثنائي دكاش والراعي مؤلَّفًا له مستوحى من الزجل اللبناني، وبرز من خلاله الحنين إلى الماضي، ضمن صياغة موسيقية حديثة قد تشكّل فرصة لجذب الجيل الناشئ إلى التعرّف على هذا الموروث الشعبي الزجلي بأسلوب مختلف كليًّا.

اتّسم خوري بالهدوء وهو يتابع عزف موسيقاه، وأبدى شكره للعازفين. وقد أبرز العمل اهتمامه بالهوية اللبنانية من خلال سبك التأليف الزجلي بهندسة تأليفية عصرية دقيقة.


الصوفية والمعلّم

أمّا الضيف الثالث، إياد كنعان، فهو، وفقًا لدكاش، صاحب موسيقى ذات أبعاد صوفية، مستوحاة من الموسيقى الرومنطيقية، مع محافظته على الصيغة التقليدية اللبنانية. وتضمّن برنامج الأمسية عمل "ديو" لكنعان نفسه، وهو ثنائية للكمان والبيانو، وعمل بارز ضمن مؤلّفاته لموسيقى الحجرة، يضع غنائية الكمان في حوار مع الثراء الهارموني للبيانو.

طوّع العازفان الكمان والبيانو بسلاسة ومهارة وتحكّم كامل، ليعكسا حوارًا لحنيًّا ذا جذور مشرقية، ضمن قالب عربي ذي طابع تأمّلي عصري.

أمّا الاسم الرابع، فكان بوغوص جلاليان "المعلّم"، الذي تبرز في سيرته الذاتية، إلى جانب رصيده الغني جدًّا في التأليف الموسيقي، صفحة مشرقة، إذ كان "العقل" التوزيعي وراء أجمل أغنيات السيدة فيروز، والملهم الأول لزياد الرحباني. وصفه ماريو الراعي للجمهور الحاضر بأنه الفنان الذي يغلب على موسيقاه الطابع الأرمني، إلى جانب النمط اللبناني العربي في أعماله. وكانت الأمسية تحية وفاء وإجلال له، تمهيدًا للاحتفال بمئويته العام المقبل. تتّسم موسيقاه بقصر المدة، كما في مؤلَّفه "القصيدة"، الذي يبرز نهجه الفريد، الذي يجمع بين صرامة القواعد الكلاسيكية الغربية والثراء المفعم بالشجن للمقامات الشرقية والأرمنية التقليدية، وهو ما يصفه كثيرون بأنّه أسلوب استشراقي.

علا التصفيق تكريمًا لـ "المعلّم" الغائب الحاضر، قبل أن تأتينا موسيقى كلود شلهوب. بالنسبة إلى الراعي، هو من أهم عازفي الكمان، وتتخلّل موسيقاه لمسات من عزف الغجر الشرقيين. وقد عُزفت مقطوعة "بريلود" (Prelude) ومعزوفتها المصاحبة "شيرزو" (Scherzo)، لتكشفا قدرة شلهوب الاستثنائية على مصاهرة النمط الغربي مع الجذور الشرقية، متخطّيًا الحدود الجغرافية بين البلدان بهدف التقريب بين الشرق والغرب في هذا العمل.

يُذكر أخيرًا أن العازفين جورج دكاش وماريو الراعي حرصا على تكريم جورج باز في مئوية ميلاده عام 2026، من خلال عزف مشترك على البيانو والكمان. وقد عكست موسيقاه، برؤيتها الطليعية، صياغة متقنة ذات بُعد فلسفي وتأمّلي، جمعت العمق الغربي بتأمّل مشرقي في صلاة "آفي ماريا"، التي تلازم العالم كلّه، ولا سيّما أنّنا اليوم بحاجة إلى العذراء مريم في أصعب أوقاتنا المصيرية في لبنان، الذي غابت عنه الإنسانية كليًّا.