لا يبدو اقتراح فرض ضريبة على الشقق الشاغرة مجرّد إجراء مالي يهدف إلى زيادة الإيرادات العامة، بل تطرح إشكالية أوسع تتصل بقدرة الدولة على معالجة الاختلالات في السوق العقارية وتحفيز العرض السكني، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية تضيق معها خيارات اللبنانيين في الاستئجار والتملّك. وبين الرهان على دفع المالكين إلى طرح وحداتهم غير المشغولة في السوق، والتحذيرات من تحميلهم أعباء إضافية قد تنعكس سلبًا على الاستثمار العقاري، يبرز السؤال حول مدى قدرة هذه الضريبة على معالجة أزمة السكن فعليًا.
في بلد يعاني من غياب التمويل السكني وتراجع القدرة الشرائية، لا يكفي زيادة عدد الشقق المعروضة لضمان انخفاض بدلات الإيجار، ما لم تتوافر وحدات تتناسب أسعارها مع مداخيل الفئات التي تحتاج إلى السكن. من هنا، تبرز ضرورة مقاربة هذا الملف ضمن سياسة إسكانية متكاملة، لا باعتباره إجراءً ضريبيًا منفردًا.
وفي هذا السياق، يرى رئيس نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين وليد موسى، أن "الضريبة على الشقق الشاغرة قد تشكّل حافزًا لبعض المالكين لطرح عقاراتهم للبيع أو الإيجار، ولا سيما الوحدات التي تُترك شاغرة لأهداف استثمارية أو مضاربية"، لكنه يحذّر من "اعتبارها حلا سحريًا لأزمة السكن"، مشددًا على "ضرورة التمييز بين الشغور الإرادي والشغور الناتج من ظروف خارجة عن إرادة المالك".
380 ألف شقة شاغرة
يلفت موسى لـ"نداء الوطن"، إلى أن "الأرقام التي استند إليها مقدّمو اقتراح القانون، والمبنية على بيانات وزارة المالية لعام 2023، تشير إلى وجود نحو 380 ألف وحدة سكنية مصرّح عن شغورها في لبنان، يقع نحو 62 % منها في بيروت وجبل لبنان، فيما تلامس نسبة الشغور في العاصمة 20 %، وفق دراسات مختبر المدن في الجامعة الأميركية في بيروت".
إلا أنه يشير إلى أن "هذه الأرقام لا تكفي وحدها لتحديد الأثر الفعلي للشغور على السوق، إذ ينبغي التمييز بين الشقق الجاهزة للسكن وتلك المتضررة أو غير المكتملة أو التي تحتاج إلى ترميم، فضلا عن العقارات التي يحتفظ بها أصحابها لاستعمالهم الشخصي أو العائلي، وتلك المعروضة للبيع أو الإيجار من دون أن تجد طلبًا مناسبًا".
ويؤكد أن "لبنان يفتقر إلى قاعدة بيانات عقارية وطنية شاملة ومحدّثة تحدّد طبيعة الشغور وأسبابه ومدته وتوزيعه الجغرافي"، معتبرًا أن "إجراء مسح عقاري وطني، بالتعاون بين وزارة المالية والمديرية العامة للشؤون العقارية والبلديات والقطاع الخاص، يجب أن يسبق أي قرار ضريبي من هذا النوع".
ضريبة قد تثقل الاستثمار العقاري
وفي قراءته للتداعيات المحتملة، يوضح موسى أن "القطاع العقاري لا يزال يواجه تداعيات الأزمة المالية والمصرفية، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب القروض السكنية، وارتفاع تكاليف البناء والصيانة، إلى جانب الظروف الأمنية والاقتصادية التي أثّرت في حركة الاستثمار". ويحذّر من أن "فرض ضريبة غير مدروسة قد يحمّل المالكين والمطورين أعباء إضافية، حتى في الحالات التي يتعذّر فيها بيع العقارات أو تأجيرها نتيجة ضعف الطلب".
ويطرح في هذا الإطار واقع المطورين العقاريين الذين يستثمرون مبالغ كبيرة في مشاريع سكنية ويتحمّلون تكاليف الأرض والبناء والتمويل والرسوم، قبل أن يصطدموا بتراجع القدرة الشرائية وعجز السوق عن استيعاب الوحدات المعروضة. كما يشير إلى "أوضاع المغتربين والمستثمرين الأجانب الذين قد يتعذّر عليهم استعمال عقاراتهم أو زيارتها بسبب الظروف الأمنية وقيود السفر، فضلا عن المالكين الذين يحتفظون بشقق لاستخدامهم الشخصي أو العائلي".
ولا يغفل موسى الإشارة إلى أصحاب العقارات التي بقيت خاضعة لقوانين الإيجارات القديمة لعقود، والذين بدأوا باستعادة ممتلكاتهم تدريجياً بعد تحرير الإيجارات"، لافتًا إلى أن "عددًا من هذه الشقق يحتاج إلى ترميم وتأهيل قبل أن يصبح صالحًا للسكن أو التأجير". ويرى أن "تحميل هؤلاء ضريبة إضافية فور استعادة عقاراتهم لا يراعي سنوات طويلة من القيود التي حدّت من استفادتهم الاقتصادية من ملكياتهم".
تطبيق انتقائي وإعفاءات واضحة
وفي ما يتعلق بآلية التطبيق، يقترح موسى اعتماد "مقاربة انتقائية لا تشمل جميع المناطق والفئات العقارية بصورة موحّدة، بل تربط الضريبة بالموقع الجغرافي للعقار وقيمته التأجيرية أو البيعية ومدى الحاجة الفعلية إلى زيادة العرض السكني في المنطقة". ويعتبر أن "الأولوية يجب أن تكون للمناطق التي تشهد طلبًا مرتفعًا من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، لا للعقارات الفاخرة التي لا تستهدف هذه الفئات أساسًا".
ويشدد على "ضرورة التمييز بين الشغور الإرادي والقسري، واعتماد فترات إعفاء مدروسة"، مقترحًا خمس سنوات للوحدات السكنية الجديدة العائدة للمطورين العقاريين وثلاث سنوات لسائر المالكين، مع استثناء العقارات المتضررة أو الخاضعة لنزاعات قضائية أو التي تحتاج إلى ترميم أساسي، وكذلك الحالات التي يثبت فيها المالك عرضه العقار للبيع أو الإيجار من دون أن يجد طلبًا مناسبًا".
كما يدعو إلى "إعفاء العقارات المستعادة بعد عقود من خضوعها لقوانين الإيجارات القديمة لمدة لا تقل عن عشر سنوات من تاريخ استعادة الحيازة الفعلية، مع إمكان تمديد المهلة عند الحاجة إلى أعمال تأهيل أساسية". ويقترح، في حال إقرار الضريبة، اعتماد شرائح تدريجية تبدأ باحتساب 25 % من القيمة التأجيرية الصافية المقدّرة، وترتفع إلى 50 % لاحقًا وفق شروط يحددها القانون، على ألا تشمل فترات الشغور السابقة لنفاذه".
ويؤكد أيضًا "أهمية إقرار آلية شفافة للتصريح عن الشقق الشاغرة والتحقق منها، تضمن حق المالك في الاعتراض أمام جهة مختصة، إلى جانب تخصيص جزء أساسي من الإيرادات لدعم القروض السكنية وبرامج الإسكان، بدلا من تحويل الضريبة إلى مصدر إضافي للجباية".
ويختم موسى بالتشديد على أن "معالجة أزمة السكن لا يمكن أن تتحقق عبر الضرائب وحدها، بل تتطلب إعادة تفعيل القروض السكنية من خلال المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان والمصارف التجارية بفوائد مقبولة، بالتوازي مع وضع سياسة إسكانية وطنية واضحة". ويدعو في هذا الإطار إلى "استحداث وزارة للإسكان تتولى وضع استراتيجية شاملة تجمع بين التمويل السكني والسياسة الضريبية والتخطيط المدني وتنظيم سوق الإيجارات، بما يعيد التوازن إلى السوق ويعزز قدرة المواطنين على التملّك والاستئجار، ويستعيد ثقة المستثمرين بالقطاع العقاري".