لم تعد بعلبك الهرمل تقف عند حدود الترقّب لما قد تحمله التطورات العسكرية من مفاجآت، بل باتت تعيش تداعيات الحرب قبل أن تتضح حدودها ومساراتها. فالمسألة في المحافظة لا تتعلّق فقط باحتمالات اتساع المواجهة أو انتقال خطوط النار، بل بما يمكن أن تتركه من آثار على مجتمع له خصوصيته العشائرية، وتركيبته الاجتماعية، واقتصاده الذي لم يتعافَ أصلا من أزماته المتراكمة.
هنا، حيث يمتزج السهل بالجبل، تتداخل هواجس الأمن مع المخاوف المعيشية، ويستعيد الأهالي ذاكرة الأزمات والحروب، في ظل دولة لا تزال عاجزة عن توفير شبكة أمان اقتصادية واجتماعية كافية، فيما يبقى مصير المنطقة معلّقًا على تطورات تتجاوز قدرتها على التحكّم بمساراتها.
في بعلبك الهرمل تحديدًا، تبرز البنية العشائرية بوصفها أحد أبرز مكوّنات المجتمع البقاعي، وهي التي لطالما اختُصرت صورتها في التناول الإعلامي بالنزاعات الفردية والثأر وقضايا المخدرات، فيما يغيب جانبها الاجتماعي القائم على التضامن والتكافل والروابط العائلية. ومع تصاعد التهديدات، تتقدّم هذه الوظيفة إلى الواجهة، لتتحوّل العشيرة إلى مساحة للتشاور والتضامن ومحاولة احتواء تداعيات المرحلة، في ظل تراجع الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية على مواكبة احتياجات الناس.
ولعل ما يلفت اليوم بروز صوت عشائري يدعو إلى تغليب الحكمة والعقل، والعمل على تحييد المنطقة عن أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة، من خلال تحرّك يضم شخصيات من مختلف العائلات والعشائر، سعيًا إلى بلورة موقف مشترك من التطورات المقبلة. ولا تقتصر أهمية هذا التحرّك على جمع المكوّنات العشائرية، بل على ما يمكن أن يؤسّس له من مساحة اجتماعية مستقلة تضع أمن الأهالي ومصالحهم فوق الحسابات والاصطفافات، وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتداعيات صراعات لا يملك أبناؤها قرارها كاملا.
وفي موازاة ذلك، يعود ملف السلاح إلى واجهة النقاش، لا بوصفه قضية أمنية مجرّدة، بل باعتباره جزءًا من معادلة اجتماعية وتاريخية معقّدة. ففي بعلبك الهرمل، يرتبط السلاح بمفهوم العادات والتقاليد والرجولة والحماية والدفاع عن العائلة والأرض، فيما يرتبط السلاح المنظّم بمعادلات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود القرى والبلدات. وبين المستويين، تقف المنطقة أمام أسئلة لم يعد ممكنًا تجاوزها أو تأجيلها.
فهل لا يزال السلاح بمختلف أشكاله يشكّل ضمانة للحماية في ظل ضعف حضور الدولة وقدرتها على بسط سلطتها وتأمين سلامة المواطنين؟ أم أن التحوّلات الميدانية فرضت واقعًا جديدًا بات معه وجود السلاح أو بعض أشكاله عاملا إضافيًا في تعريض القرى والبلدات للاستهداف؟ إنها معادلة دقيقة تضع المجتمع البقاعي أمام مراجعة صعبة بين هاجس الحماية والخوف من أن تتحوّل أدوات القوة إلى مصدر إضافي للمخاطر، وبين الحاجة إلى الأمن والاستقرار وضرورة أن تكون الدولة المرجعية الوحيدة في توفيرهما.
ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود الأمن والسلاح، فخلف مشهد الدمار الذي خلّفته حرب الإسناد والصواريخ الستة، يترنّح اقتصاد المنطقة أمام أزمة تهدّد ما تبقّى من مقوّمات الإنتاج. فالمزارع الذي ينتظر موسم جني محاصيله وأشجاره المثمرة بات يواجه مخاطر تعطّل العمل وصعوبة التسويق، في ظل ظروف ميدانية واقتصادية تجعل الموسم الزراعي مغامرة غير مضمونة النتائج. ولا تقتصر الخسارة هنا على موسم واحد، بل قد تمتد إلى تراكم الديون وفقدان القدرة على الإنتاج، بما يهدّد مصادر رزق آلاف العائلات لسنوات مقبلة.
وتزداد المخاوف مع اقتراب الشتاء البقاعي، بما يحمله من برد قاسٍ وصقيع يضاعف أعباء العائلات، ولا سيما في البلدات الجبلية. فمع تراجع المداخيل وارتفاع تكاليف المعيشة، يتحوّل تأمين المازوت والحطب إلى عبء إضافي على أسر باتت تخشى خسارة مصادر رزقها، في وقت لا تبدو فيه مقوّمات الدعم والإغاثة الرسمية على مستوى حجم الاحتياجات. وهكذا، تصبح معركة الصمود المعيشي امتدادًا للأزمة الأمنية لا يقلّ قسوة عن تداعيات المواجهة الميدانية.
في المحصّلة، لا تواجه بعلبك الهرمل احتمال الحرب فحسب، بل تواجه اختبارًا يتّصل بمستقبل مجتمعها وقدرته على حماية استقراره وتماسكه ومصادر عيشه. فالتحدّي الحقيقي ليس فقط في عبور العاصفة، بل في ألّا تخرج المنطقة منها أكثر إنهاكًا وعزلة، وأن يبقى أمن أبنائها ومستقبلهم أولوية تتقدّم على كل الحسابات الأخرى.