منذ طفولته، وجد الفنان التشكيلي والنحّات ورسام الجداريات رائد مكرزل في الفن مساحة للتعبير عن أفكاره وشغفه بالتغيير. وتدرّجت تجربته من لوحة بسيطة رسمها في الثامنة من عمره، وصولا إلى رسم جداريات تزيّن الأماكن العامة وصنع منحوتات تتطلّب دقة وخبرة. والفن عند مكرزل ليس مجرّد هواية، بل هو لغة يعبّر من خلالها عن أفكاره، ومساحة يترجم فيها شغفه بالتغيير إلى إبداع يلامس الناس ويترك أثرًا في المكان.
في الثامنة، خطّ رائد مكرزل أولى خطواته في عالم الرسم، من دون دروس متخصّصة أو تدريب أكاديمي، بل بدافع الشغف والفضول. وفي حديثه إلى "نداء الوطن"، يستعيد مكرزل بداياته، حين استخدم حبر قلم "الستيلو" لرسم رقعة شطرنج، في تجربة بسيطة سرعان ما لفتت أنظار معلّماته ومديري المدرسة، الذين رأوا في محاولته الأولى موهبة تستحق التشجيع والرعاية. وكان لهذا التقدير أثر إيجابي كبير في مسيرته، إذ منحه حافزًا لمواصلة الرسم وتطوير قدراته، وتحويل شغفه الطفولي إلى مهنة ومسار إبداعي.
شغف والتزام
ورغم دراسته لتصميم الديكور في الجامعة بدلا من دراسة الفنون التشكيلية، لم يشكّل الأمر عائقًا أمام موهبته، بل اعتمد على التعلّم الذاتي والتجربة والممارسة لصقل أدواته الفنية. ومع الوقت، اتّسعت آفاقه الإبداعية، فانطلق إلى مجالات فنية متعدّدة.
فبين الرسم والنحت وتنفيذ الجداريات، تعدّدت المساحات التي يعبّر من خلالها رائد مكرزل عن رؤيته الفنية، إلا أنّ للنحت مكانة خاصة في قلبه، بحسب ما يقول. ومع ذلك، يتعامل الفنان مع كل مشروع يتولّاه بالشغف والالتزام نفسيهما، حريصًا على توظيف خبرته ومهاراته لتقديم عمل متكامل يحمل بصمته الخاصة ويعبّر عن فكرة واضحة.
الفن، بالنسبة إلى مكرزل، ليس مجرّد وسيلة لإضفاء الجمال على الأشياء والأماكن، بل لغة قادرة على إيصال الرسائل وفتح مساحات للتأمّل والتفاعل. وسواء تجسّدت هذه اللغة في منحوتة أو لوحة أو جدارية تزيّن فضاءً عامًا، يبقى هدفه أن يتجاوز العمل الفني حدود الشكل، ليحمل معنى يلامس الناس ويترك أثرًا في محيطهم.
تغيير ملامح الأماكن
يقول الفنان رائد مكرزل إن حبّ التغيير يدفعه إلى الرسم على الجدران وفي الأماكن العامة، حيث يرى أن تحسين مظهر الطرقات والمساحات المشتركة يضفي جمالا على البلد، وينعكس إيجابًا على الأشخاص الذين يمرّون بها. فالجداريات، برأيه، قادرة على تحويل الجدران العادية إلى مساحات نابضة بالحياة، تكسر رتابة المشهد اليومي وتمنح المارة تجربة بصرية مختلفة. وهكذا، يخرج الفن من المعارض إلى الشوارع، ليصبح جزءًا من الحياة اليومية للناس.
وفي التفاصيل، يكشف مكرزل أنّ البلديات تتواصل معه بعد مشاهدة أعماله والإعجاب بها، ليبدأ التعاون على المشاريع المقترحة. يقدّم الفنان أفكاره إلى البلدية قبل أن يختار المسؤولون عن الملف الفكرة المناسبة للتنفيذ. ومن الأمثلة على ذلك تجربة بلدية جونية، التي قررت نقل تاريخ البلدة بطريقة فنية على الجدران، في مشروع يجمع بين الجمال وتوثيق الذاكرة المحلية، ويتيح للأهالي والزوار التعرّف إلى تاريخ المكان بأسلوب بصري مختلف.
لكن قبل تنفيذ أي جدارية، يهتم مكرزل بالتحضيرات اللوجستية، بدءًا من قياس الجدران وتأمين الأدوات والمعدات اللازمة، وصولا إلى اتخاذ تدابير السلامة العامة، خصوصًا في الأماكن المزدحمة.
مهارة وتحمّل
لا يخلو تنفيذ الجداريات من الصعوبات، إذ يشير مكرزل إلى أن الظروف المناخية تشكّل أحد أبرز التحديات التي يواجهها خلال تنفيذ عمله، بين حرارة الشمس الحارقة في الصيف والبرد القارس في الشتاء، إضافة إلى الجهد الجسدي الناجم عن الصعود المتكرر على السلالم لإنجاز الرسومات والتفاصيل في الأماكن المرتفعة. كل هذه الظروف تفرض على الفنان الجمع بين المهارة الفنية والقدرة على التحمّل، إلى جانب الدقة في التنفيذ والانتباه إلى متطلبات السلامة.
من جهة أخرى، يعتبر رائد مكرزل نفسه من أوائل الفنانين الذين استخدموا الصوف الفولاذي (Steel Wool) في أعمال النحت، وهي مادة تتكوّن من ألياف فولاذية دقيقة، تُستخدم أساسًا في التنظيف والصقل، ويمكن توظيفها في ابتكار أعمال فنية ذات طابع مميّز. إلا أن التعامل معها يتطلّب دقة وحذرًا، خصوصًا عند قصّها أو معالجتها، لتجنّب تطاير الألياف والجزيئات الدقيقة.
ويكشف مكرزل أنه عانى من مشكلات تنفّسية نتيجة العمل بهذه المادة من دون وسائل حماية، ما يسلّط الضوء على المخاطر التي قد ترافق بعض التجارب الفنية، وعلى أهمية استخدام معدات الوقاية المناسبة وتأمين التهوية الجيدة أثناء العمل. فالإبداع، مهما اتّسعت آفاقه، يبقى بحاجة إلى الوعي بإجراءات السلامة حفاظًا على صحة الفنان.
إبداع وروحانية
أما العمل داخل الكنائس، فله خصوصية لدى مكرزل، الذي يحرص على الاستعداد روحيًا قبل البدء بالرسم، وقد يلجأ أحيانًا إلى الصوم والصلاة. وغالبًا ما يرافقه كاهن للتأكد من أنّ اللوحات مدروسة ومتوافقة مع نصوص الإنجيل. ففي هذه الأعمال، لا يقتصر الأمر على الجانب التشكيلي، بل يتطلب احترامًا للمضمون الديني ودقة في تجسيد القصص والرموز، ليأتي العمل منسجمًا مع المكان ومعانيه الروحية.
لكن لا يبدو أن ما أنجزه رائد مكرزل حتى اليوم كافٍ لإرواء شغفه بالفن، لأنّ طموحه يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات والجداريات، ليصل إلى حلم استثنائي: نحت جبل كامل باستخدام الآلات الحديثة والضخمة. مشروع قد يبدو بعيد المنال، كما يقرّ، لكنه يظلّ حلمًا يسكن مخيّلته، وطموحًا يأمل أن يحوّله يومًا إلى واقع.
وهكذا، بين رقعة شطرنج رسمها طفل في الثامنة من عمره، وبين حلم نحت جبل، تتواصل حكاية فنان لم يتوقّف يومًا عند حدود ما يستطيع إنجازه، بل ما زال يبحث عمّا يمكن أن يضيفه من جمال إلى العالم من حوله.


